بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٨٠

* مسألة:

ومن جامع أبي محمد: اختلف الناس في ذنب آدم عليه السلام، وذنوب سائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، مع إجماع أهل العلم على أنها كلها كانت صغائر، وأن الأمر فيها لم يكف على ما يأتي به الجهال من القصص، ولا يرونه أهل الحديث، ومن جهل من أهل الكتاب -نسخة- الحديث:

فقال قوم: إنها كانت عمدا مع الذكر المنهي إلا أنه كان معهم عليهم السلام من الخوف والوجل والإشفاق ما لا يكون عند مثلهم، قالوا: ولو لم يكن عمدا لم يكن ذنوبا، قالوا: والدليل على ذلك أن إبليس قد ذكره النهي حين قال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ (الأعراف:20)، فقالوا: كيف يكونان ناسيين وهو يذكرهما؟ واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ (طه:115)، يجوز أن يكون نسي وعدا دون النهي.

وقال قوم: كان ذنبه على قصد للأكل، ولم يكن كالرجل يريد الشيء فيفعل غيره على طريق السهو، ولكنه كان غافلا عن النهي وناسيا له، قالوا: وقد ذكره إبليس النهي فلم يواقع الذنب في ذلك الوقت، بل لما وافق دعاءه وغروره مع ما كان آدم عليه السلام محتاجا له، مائلا إليه بطبعه الذي هو طباع البشر سرى في ذلك في نفسه واستغرقه حتى غفل عن النهي ونسيه.

واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ قالوا: ذلك كالرجل يكون صائما يشتغل بضرب من الشغل، حتى يغلب عليه فيستغرقه فيأكل ويشرب من غير قصد لذلك، إلا أنه ساهٍ عن الصوم، قالوا: وهذا الضرب من السهو والإغفال مرفوع عن المسلمين.

١٬٥٨٩ / ٤٬٣٨٩