بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٨٦

وكان ممن يدين بتحريمه إلا أنه أخطأ بجهالته، ثم تاب في الجملة وهو ناس للذنب بعينه كان هذا مرفوعا عنه من نسيانه، ولو أنه أرتكب الذنب على أنه لا يتوب منه، وأصر عليه، ثم نسي ذلك الإصرار، وذلك الذنب، ثم تاب في الجملة فقد اختلف في هذه المسألة:

قال من قال: إنه تجزيه التوبة في الجملة، لأن الإصرار وإن كان ممتنعا عن التوبة ومحاددة الله، فإنه ذنب أيضا والله يغفر الذنوب جميعا، والنسيان يأتي على جميع ذلك.

وقال من قال: لا تجزيه التوبة في هذه الجملة، لأنه نسي وهو على عزيمة الإيباء عن التوبة والإقامة على الذنب، فلحق بأحكام المستحلين، لأن المستحلين لا تجزيهم توبتهم في الجملة، لأنهم يتقربون إلى الله بمعاصيه، ويتوبون إلى الله من طاعته، فكلما ازدادوا من التقريب إلى الله بمعصية اجتهاد ازدادوا من الله قصوا وابتعادا، وكلما قرب عمره كان أشد حجاه وتمسكه بضلالته، وكذلك هذا المصر فهذا فيما كانت فيه الحقوق لله.

وأما إذا كانت الحقوق للمخلوقين، فلو نسي حتى أكل مال رجل، أو ضربه أو قتله، أو طلق امرأته، أو أعتق عبده، وما كان من هذه الأشياء فهو متعبد بأدائها إلى أهلها في وقت علمه بذلك، وذكره لذلك، وإن نسي أيضا ذلك، وكان على وجه التحريم فتاب في الجملة، ودان بجميع ما يلزمه، علم بذلك أو لم يعلمه كان ذلك مجزيا له في جملة التوبة، فهذا أصل هذا ويأتي على جميع ما كان من مثله هذا من صغار الذنوب أو كبيرها، إذا كان على وجه التحريم، والله أعلم بالصواب.

فهذا في النسيان، وأما الخطأ الذي هو مرفوع عن المسلمين، فتفسير ذلك أنه يريد الحق فيخطئ بغيره، وذلك أنه يريد أن يقول: لا إله إلا الله، فيقول إن الله ثالث ثلاثة، أو يريد أن يقول: إن المسلمين من أهل الجنة، فيقول: إنهم من أهل النار، أو يريد أن يقول

١٬٥٩٥ / ٤٬٣٨٩