الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٢٦وينبغي له أن لا يأكل من الطعام إلا في ثلث بطنه، وليجعل الثلث الثاني للشراب، والثلث الثالث للنفس والتسبيح والقراءة، وأكلتان أقوى من أكلة واحدة، وأكلة أعظم -نسخة- وأعظم للجسد، فإن شهوة الفضول ظلمة حب الدنيا، فإذا مضى به يوم وقد علم الله منه صدق النية، وصدق اليقين، أخرج من قلبه طائفة من ظلمة حب الدنيا، وأدخل مكانها نور الزهد، وإذا مضى به يوم آخر وهو على ذلك يروض نفسه ويوريها لتقطع شهوة الفضول، أخرج من قلبه أيضا طائفة من ظلمة حب الدنيا، وأدخل مكانها نور الزهد، وينسى ذكر الفضول وشهوتها، فلا يزال كل يوم يمر عليه وليلة يخرج الله من قلبه ظلمة ويدخل مكانها نورا حتى يأتي عليه أربعون يوما فإذا أتم أربعين يوما لم يبق في قلبه شيء من الظلمة إلا أخرجها الله، وجعل مكانها نورا فيصير قلبه نورا يزهر، قد تمكن فيه الزهد وهو حينئذ الزاهد في الدنيا مكانها فلا يطلبها مع الطالبين، ولا ينافس فيها مع المتنافسين، ليس له في نعيمها أرب ولا له إليها طرب وهانت عليه، فهي مطروحة لديه، قد استراح من تعب الطلب، وأراح نفسه من أنواع التعب، فليس تلقاه إلا فرحا نشطا مع قليل الغم -نسخة- الهم، عظيم الحلم على وجهه بها، وفي قلبه نور الزاهدين، فليس له في الدنيا شيء يهم به، ولا حاجة وهو خير من غيره فهذه منزلة نبيلة جميلة.
فإذا صار هكذا فإن شاء فليدم خيره، وإن شاء فليتنزل منزلة الخوف مع الزهد، فإن كثيرا من الناس من يجمع منزلة الخوف مع الزهد، ثم يحرزهما مع أن الهد والخوف أخوان، لا يتم واحد إلا بصاحبه، وهما كالروح والجسد مقرونان، لأن الزاهد لا يكون