الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٢٧زاهدا إلا بالخوف من الله تعالى، فلا يلزم العبد الزهد الذي يدخل فيه حتى يلزمه الخوف، فإذا لزمه الخوف لزمه الزهد، فصار هذا حقا عليه نور الخوف في قلبه نور الزهد.
ومبتدأ الدخول في الخوف أن يلهم قلبه ذكر الموت فيذكره حتى يرق له قلبه، ويلزم قلبه الخشية لله، والحذر والفرق حتى يخافه خوفا كأنه يراه، فإنه إذا مضى يوم واحد وقد أخذ في رياضة نفسه وأدبها لطلب منزلة الخوف يقربه الله إليه، وإذا علم منه صحة النية فألزمه شيئا من المهابة، وأسكن قلبه نور الخوف، فإذا مر يوم واحد وهو على ذلك زاده الله مهابة وزيادة في قلبه، حتى يتم له أربعون يوما، فإذا مضى أربعون يوما لحمل نور الخوف في قلبه مع نور الزهد فصار نورا واحدا كملت المهابة على وجهه، فإذا بلغ الغاية فهابه القريب والبعيد والأهل والخادم والأخ والولد، والصغير والكبير، والقريب والبعيد، ومن عرفه ومن لا يعرفه، وهو حينئذ الخائف الحزين، الذليل المسكين، لا يلهو مع اللاهين، ولا يسهو مع الساهين.
الدائم البكاء، الكثير الدعاء، قليل النوم، كثير الهم، قد نحله الخوف، وقرح الخوف جلده آمن كره غير خائف من شره، فلست تلقاه إلا مهموما حزينا، خائفا كئيبا، مغموما مكروبا، لا ينفعه العيش من شدة الخوف وكثرة الحزن، وهو مجتهد ذائب، ليس يغتر عن الذكر، ولا يقصر عن الشكر، قد طرد خوفه الكسل، وذهب عنه الفشل، لا ينام ولا يفتر، ولا يمل ولا يضجر.
فإذا صار هكذا قد نزل منزلة جسيمة عظيمة عند العامة والخاصة، لأنهم لا يعرفون غيرها، ولا يبصرون ما وراءها، وهي عند المبصرين