بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ١٢٩

فإذا رفعه الله إلى هذه المنزلة، صار في قلبه نور المحبة لله عز وجل، فغلبت عليه من غير أن يكون فارقه نور الزهد والخوف والشوق إلى الجنة، ولا ينتقص منها شيء فيصير قلبه قد امتلأ حبا لله، وشوقا إليه، ونسي ما كان فيه من الخوف، والشوق إلى الجنة كرامة من الله ورحمة وثوابا وإنعاما بين يديه، وأجهد نفسه في ذلك فيصير ولا شيء أحب إليه من رضا الله، واتباع محبته، والعمل بين يديه، وأجهد نفسه في ذلك.

فإذا مضى به يوم واحد وهو يروض نفسه ويؤديها في محبة الله، نظر الله إليه ورحمه، وألقى الله عليه المحبة، فإذا مضى به يوم آخر وهو على ذلك، زاده الله محبة حتى يصير حبه في قلوب الملائكة، وفي قلوب العباد ذلك في تمام الأربعين يوما، فإذا خلصت نيته فهو حينئذ القريب المكرم، العفيف السهل، الكريم، الكثير الخير، القليل الشر، البهي الجميل، الكثير الصلاة، الباذل الزكاة، المتجافي عن الفراش، الزاهد في الرياش.

فلست تلقاه إلا مبتسما حليما مكرما، مهذهب الأخلاق، طيب المذاق، لا يضن بما لديه من مال، ولا ينسى ربه في حال، ليس بالعابس الغضوب المتجهم القطوب، حسن البشر، طيب الخير، مجانب للذنوب، مبغض للكذوب لا يسعى إلا فيما يحبه الله ويرضاه، فدل من سمع به أو زاره ذلك لحب الله إياه، فمثل نور الزهد والخوف في قلب العبد، كمثل كوكب طلع ينظره إليه وهو مضيء ويتلألأ، فبينما أنت تنظر إذ طلع القمر، فأطفأ نور الكوكب من غير أن ينقص من نور الكوكب شيء، ولا يبرح مكانه، وكذلك الشوق إلى الجنة يغلب نور الزهد.

وصلى الله على سيدنا محمد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

١٬٦٣٨ / ٤٬٣٨٩