بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ١٢٨

أكبر المنازل، فإن شاء فليدم عليها إلى الممات، وإن شاء فلينزل منزلة الشوق إلى الجنة، ثم يجود بها من غير أن يكون فارقه منزلة الخوف، ومنتهى الخوف في الشوق على الجنة أن يفكر في نعيم الجنة ولذتها، وما أعد الله فيها لساكنيها من أنواع الكرامة والألطاف والخدم، ويشوق نفسه إلى الحور العين والنعيم الدائم المقيم.

فإن مضى به يوم واحد وهو يكابر نفسه إلى الشوق، ويريدها إلى الجنة وما فيه، نظر الله إليه إذا علم منه النية الصحيحة في الاجتهاد، فأسكن قلبه شيئا من نور الشوق إلى الجنة، حتى إذا تم له أربعون يوما كمل نور الشوق في قلبه، وصار الغائب عليه وأنساه الحزن الذي كان في قلبه من الخوف من غير أن يكون نقص من نور الخوف، ولا فارقه فهو حينئذ المشتاق الصب، الشديد الحب، الكلف الهائم، العاشق العائم، الغريب المعروف، الدائم الإحسان، لا تشغله الأشغال، ولا تحزنه المصائب، ولا تمرضه النوائب، الصادق المشتاق، فلست تلقاه إلا مستبشرا مسرورا بما في قلبه، غير بخيل ولا منان، ولا هتاك ولا لماذ، ولا لئيم ولا نمام.

هو الصوام القوام، الذي لا يميل به السرور ولا يغره الغرور، فإذا صار هكذا فقد نزل منزلة هي أعظم وأشرف من منزلة الخوف إذا شاء، فليدم عليها حتى الممات، وإن شاء فليترك منزلة المحبة، فإن كثيرا من الناس جازوا منزلة الزهد والخوف والشوق إلى الجنة، وصاروا في منزلة محبة لله، وليس كل واحد وصل إلى هذا الحب، ولا يصير في هذه المنزلة إلا الصادق العقال الفايق المطهر من الذنوب، المبرأ من العيوب.

١٬٦٣٧ / ٤٬٣٨٩