بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ١٥٠

باب

في أخبار قس بن ساعدة الأيادي

قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالسا ومعه أصحابه، فقال صلى الله عليه وسلم: «رحم الله قسا ما كان أحسن إيمانه»، فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم رأيت قس بن ساعدة الإيادي في سوق عكاظ، وهو على جمل أورق، وهو يتكلم بكلام له حلاوة، وما أحسن حفظه.

فقام رجل آخر فقال: يا رسول الله إني رأيت قسا في سوق عكاظ وهو يقول: يا أيها الناس اجتمعوا، واسمعوا وعوا، إن من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مطر ونبات، وذاهب وآت، وآباء وأمهات، وآيات بعد آيات، شقي وسعيد، ومسيء ومحسن، أين القرون الماضية؟ تلك ديارهم خاوية، والأوزار على ظهورهم باقية، طمعوا في البقاء والخلود، بل هو الله الواحد القهار، أبدأ وأعاد، وإليه المعاد، يا معاشر الناس: أين ثمود وعاد، أين الآباء والأجداد، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، أسقفا مرفوعا أم مهادا موضوعا، أم بحارا تسجر أم نجوم تزهر، مال أرى الناس يمرون فلا يرجعون، أرضوا هنالك بالمقام فقاموا، أم تركوا كما هم فناموا، أقسم قس قسما حقا صدق فيه ولا إثم فيه، إن لله دينا قد وصلكم زمانه، وأدرككم أوانه، فطوبى لمن أدركه وآمن به، والويل لمن لم يدركه وخالفه، وأنشأ يقول شعرا:

في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر

١٬٦٥٩ / ٤٬٣٨٩