الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ١٩الجوارح، وهي لب العمل، فيجب على العبد إحكامها، والنية هي القصد إلى الفعل طاعة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: إن النية مستدامة، والعمل ينقطع، والنية لا يدخلها الرياء، والعمل يدخله الرياء، وكل عمل خلا من النية فهو باطل ولا يصح عمل شيئا في الطاعات إلا بتقديم النيات.
والنية إذا انفردت لم يجب بها حكم، وكذلك الفعل إذا انفرد ولم يجب به حكم فإذا عقب بالفعل الموضوع لذلك المعنى وقع موقعه، ولا تنازع بين أهل العلم في وقوع الحكم إذا اجتمع القول والنية، وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا به ويعملوا» فالإنسان إذا اعتقد شيئا ولم يلفظ به لم يلزمه حكمه إلا الكفر بالله، وإن الدليل على الاعتقاد للشيء الذي وضع وقوعه بفعل أو كلام غير محكوم به أن الإنسان لو تكلم به في نفسه في الصلاة لم تبطل صلاته باتفاق، وكذلك لو نوى القذف ولم يقذف يجب عليه الحد والقائل إن النية توجب حكما إذا انفردت من القول والفعل يحتاج إلى دليل.
فصل: الحسن قال: إن الله تعالى يعطي على نية الآخرة ما يشاء من الدنيا ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا ثم قرأ: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ (الشورى:20).
مسألة: والواجب على الإنسان استصحاب النية للعبادات إذا أراد فعلها واستصحابه لها هو أن لا ينقلها عما يدخل فيه إلى غيره وأما عزوف النية من غير أن يكون هو الناقل لها فلا يعرج في الاستصحاب، ولا أعلم في ذلك خلافا والله أعلم. ولا يجوز عمل شيء من الفرائض إلا أن تتقدمه النية، فمن عمل عملا لم يحضر له نية فعليه بدله، وكل فعل أوجبه الله تعالى على أحد من عباده فمحال أن يكون خارجا منه إلا بأدائه وليس بمؤد من لم يقصد إلى أداء فرضه والله أعلم.
مسألة: كل عمل أمر الله تعالى به عباده مما تعبدهم بفعله فلم يقصدوا إلى أدائه بالنية له فإن العبادة عليهم باقية، وكل عمل بغير نية فهو هدر من فاعليه ولا يقبل الله جل ذكره من عباده عمل تعبدهم به إلا أن يقصدوا بفعله لأداء ما تعبدوا به لمن تعبدهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ والإخلاص ما يعقده القلب، ويؤيد ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».
وقوله - صلى الله عليه وسلم - لصعصعة بن ناجية لما أسلم وذكر له ما كان يفعله من ابتياع الموءودة واستحيائها وقال: أفينفعني ذلك اليوم، فقال عليه السلام: «لا ينفعك ذلك لأنك لم