الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ٢٠تبتغ به وجه الله تعالى، وأن تعمل في إسلامك عملا صالحا أثبت عليه فلا تضيعوا أعمالكم ولا تبطلوها بإهمال النية فيها فإن المؤمن لا يمشي في الأرض يتعب نفسه بغير نية ولا يتقلب على فراشه إلا بالنية، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يرفعها إلى فيه» لأن المؤمن من يأكل ليقوى على طاعة ربه، وينام ليريح جسمه لداء ما تعبده الله تعالى به من أوامره ونواهيه وما يتقرب به من نوافل الأعمال.
وكذلك في المنكح وغيره ويدخل على ما قلنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات» الأعمال تشرف بالنيات، والحسنات ما سلمت من الآفات بما يحيط ثوابا مواقع السيئات، قال الله جل ذكره: ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ (البقرة:264) فأخبر جل ثناؤه أن الصدقات تبطل ثوابها مع نفع الفقراء بالتمنن على فعلها والتأذي عند دفعها إلى مستحقها والله أعلم.
ونحو هذا قال خلف بن زياد في سيرته عندما أمر به وجب عليه، وقال: ولتحضركم مع ذلك نياتكم ابتغاء الوسيلة إليه والتجاء عبده في أداء حقوقه واتقاء نهيه لأن الله عز وجل لا يقبل الطاعة إلا على ذلك من النية.
مسألة: الأفعال لا تصح من فاعلها إلا بتقديم النية لها لأن صورة الفعل وهيئته لا تدل على طاعة ولا معصية إنما يصير الفعل طاعة أو معصية إذا أضيفت إليه النية، الدليل على ذلك قول الله تعالى عز وجل: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً﴾ (الإنسان: 8 - 9)، فمدحهم الله بإنفاقهم أموالهم إذا كانت المقاصد له عز وجل، وقال أيضا في موضع آخر: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ﴾ (النساء:38) فذمهم بالإنفاق لأنهم لم يقصدوا الله جل ذكره، وقد استوى الإنفاق في الظاهر هذا منفق وهذا منفق، حصل أحدهما طائعا للإخلاص والقصد لله عز وجل، والآخر عاصيا بتعريه من هذا الحال مع تساويهما في الإنفاق، وأيضا فإن الإنسان لو أصبح غير ناوٍ للصوم واشتغل عن الأكل والشرب والمنكح حتى غربت الشمس لم يستحق اسم صائم ولا يسمى مطيعا معرى مع الإمساك من النية وما أتاه فهو صورة الصوم ولو تقدم هذا الإمساك نية من الليل لسمي طائعا واستحق اسم طائع، وإذا كان هذا هكذا فقد صح أن هيئة الفعل وصورته لا تدل على معصيته طاعة ولا معصية، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ فالإنسان إذا لم يعمل ما أمر به بقصد واختيار لم يسم مطيعا وإنما سمي المطيع مطيعا أن يراقب أمر المطاع فيأتيه امتثالا لأمره فحينئذ يستحق اسم مطيع، والله أعلم.