بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء السادس

الجزء ٦ · صفحة ٢٨

اعلم أن نية المؤمن في العمل خير من عمل لا نية فيه، الدليل على ذلك قول الله جل ذكره: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر:3)، لا ليلة قدر فيه، وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «عمل الفاجر خير من نيته» وفي خبر: «نية الفاجر شر من عمله» ومعنى ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات» لعظم الثواب بالنيات وشرف الأعمال بها فإذا كان بلا نية فهو عمل كما يقال الرجل بقومه، والإنسان بعشيرته، والمرء بنفسه وهو رجل وإنسان وإن لم يكن له عشيرة ولا قوم ولجيرانه، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها كانت هجرته إلى ما هاجر إليه».

فصل: والنية فرض في جميع أعمال الطاعات كلها، والنية عقد بالقلب وعزيمة على الجوارح وهي لب العمل، فيجب على العبد إحكامها، والنية هي القصد إلى الفعل طاعة الله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -.

مسألة: وقيل: النية مستدامة والعمل ينقطع، والنية لا يدخلها الرياء، والعمل يدخله، وكل عمل خلا من النية فهو باطل، ولا يصح عمل شيء من الطاعات إلا بتقديم النيات، والنية إذا انفردت لم يجب بها حكم، وكذلك الفعل إذا انفرد لم يجب به حكم، فإذا عقب النية بالفعل الموضوع لذلك المعنى وقع موقعه ولا تنازع بين أهل العلم في وقوع الحكم إذا اجتمع القول والنية.

مسألة: يوجد أنه من خرج من نيته بغير نية فهو كبيرة والله أعلم، ووجدت في موضع: إذا مات مات هالكا إذا خرج بلا نية ولا معنى.

مسألة: ومن أكل فلينو بذلك أن يتقوى على طاعة الله، ومن جامع امرأته فلينو بذلك أن تنكسر نفسه عن غيرها من النساء، ومن نام نوى أن يريح نفسه ليقوى على طاعة الله، وللقيام بفرضه وكذلك في مشيه وجلوسه وقيامه وجميع أموره ينوي بذلك نية تكون في طاعة الله عز وجل، لأن هذه الأجساد إنما خلقت ليطاع الله بها ولا يعصى، وبالله التوفيق.

مسألة: ومن نوى ألا يحج وليس في يده شيء ولا في جسده قوة إلا أنه ينوي أن لو كان معه قوة ألا يحج، أو نوى أن لا يصلي فالنية في ألا يفعل أشد من النية في أن يفعل.

١٬٨٨١ / ٤٬٣٨٩