بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء السادس

الجزء ٦ · صفحة ٨٣

الباب التاسع عشر

في هجر الولي

عن أبي أيوب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»، والصدّ والإعراض، يقول صدّ عنّي بوجهه صدوداً، وأما قول الله عز وجل: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ (الزخرف:57) فقيل: معناه يضجون، يقولك صد يصد صدودا وهو شدة الضجيج في حلبة الخيل، وقرئ بضم الصاد وكسرها، فمن ضم معناه (يعدلون) ومن كسر فمعناه (يضجون).

مسألة: وأما الذي وجد على وليه فهجره أياماً لا يكلمه فقد جاء الأثر أنه إذا هجر أخاه فوق ثلاثة أيام فلا ولاية له، وكذلك إذا قصده بالهجران والقطيعة واعتقد قطيعته، وأما إن ترك كلامه على وجه العتب وهو مؤد حقوقه معتقدا مواصلته وولايته فذلك شيء لا نحبه له ولا تزول بذلك ولايته وهو على ولايته ولو لم يكلمه أكثر من ثلاثة أيام إذا كان على وجه المعاتبة فذلك شيء لا يعدم من الإخوان والخاصة في هذا الزمان والله هو المستعان.

وليس للمسلم أن يهجر المسلم ولا رحمه ولا جاره ولو كان رحمه وجاره عاصياً لله فعليه مواصلته بما ألزمه الله من مواصلته والقطيعة كفر، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة:8)، وقال الله لنبيه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف:199) فتأول ذلك المسلمون، فالرّواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «صل من قطعك، وأعط من منعك، وأنصف من ظلمك، وأعف عمن شتمك»، وهذا كله من الحق وبالحق وللحق.

١٬٩٣٦ / ٤٬٣٨٩