الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ٨٨جاء التعريض في القرآن، قال الله حكاية عن موسى إذ قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ (الكهف:73).
عن ابن عباس قال: لم ينس ولكنه من معاريض الكلام، أراد ابن عباس أنه لم يقل: إني نسيت فيكون كاذبا ولكنه قال: لا تؤاخذني بما نسيت، فأوهمه النسيان تعريضا ولم ينس ولم يكذب، ومنه قول إبراهيم: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (الصافات:89) أي سأسقم، لأن من كتب عليه الموت لابد أن يسقم، ومثله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (الزمر:30) أي سيموتون وستموت، فأوهم القوم بمعاريض الكلام أنه عليه وإن لم يكن عليلا ولا كاذباً، وكذلك قوله حين خاف على امرأته "إنها أختي" لأن بني آدم جميعا يرجعون إلى أبوين فهم أخوة لأن المؤمنين إخوة، وكذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ (الأنبياء:63) أراد فعله الكبير إن كانوا ينطقون، فجعل النطق شرطا للفعل إن كان ينطقون، فقد فعله الكبير وهو لا يفعل ولا ينطقون، ومن ذلك قول الله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (يوسف:88)، يقال: هذا من معاريض الكلام لأنه لم يكن عندهم أنه على دينهم فلذلك لم يقولوا: إن الله يجزيك بصدقتك، وقد استعمل المسلمون معاريض في غير التقية وأجازوها، ومن ذلك قول عبد الله بن رواحة حين اتهمته امرأته بجاريته فقالت: إن لم تكن فعلت فاقرأ فإن الجنب لا يقرأ فقال:
شهدت بأن وعد الله حق
وإن الماء تحت العرش طام … وأن النار مثوى الكافرينا
وفوق العرش رب العالمين
فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فضحك فقال: «رحم الله نساءكم يا معاشر الأنصار»، وروي أن جابر بن عبد الله الأنصاري أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إني قمت إلى جارية لي في بعض الليل واتهمتني المرأة فقلت: إني لم أفعل شيئا، قالت: فاقرأ ثلاث آيات من كتاب الله إن كنت صادقا فأنشأت أقول:
وفينا رسول الله يتلو كتابه
يبيت يجافي في جنبه عن فراشه … كما انشق معروف من الصبح ساطع
إذا استثقلت بالمشركين المضاجج
فقال: أما إذا قرأت ثلاث آيات فأنت صادق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رحم الله ابنة عمك فقد وجدتها فقيهة في الدين»، وروي هذا الحديث عن عبد الله