بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء السادس

الجزء ٦ · صفحة ٨٧

الباب الحادي والعشرون

في الكذب الجائز وغير الجائز

وما أشبه ذلك من التعريضات وغيرها

قلت له: فما تقول فيمن أحال الكلام متعمدا لأحد من الناس يريد بذلك إثبات حق أو إصلاح أو إزالة شيء من الباطل هل يلحقه اسم الكاذب ويكون آثماً، قال: عندي أنه لا يكون آثما؟ على صفتك ويجوز له ذلك ولا يلحقه اسم الكذب لأنه لم يرد باطلا، فقد قال يوسف صلوات الله عليه: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (يوسف:70)، وهو يعلم أنهم ليسوا بسارقين، وإنما أراد الحيلة على أخذ أخيه فجعل السقاية في رحل أخيه كما قال الله وحكى عنه ذلك، وقد قالت امرأة فرعون: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾ (القصص:9) وإنما أرادت ألا يقتله فرعون، وقال إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (الأنبياء:63).

مسألة: من جواب القاضي أبي زكريا إلى أهل حضرموت: ولكم سعة في الذي بليتم به من جور الظلمة على أموال الأيتام إذا أتاكم الخارص منهم يخرص نخلة اليتيم أن هذه النخلة للمسجد أو للسبيل أو لغير ذلك من الكذب وما جرى هذا المجرى مما هو مثله، ومهما ابتليتم به من الجبابرة في الذي تخافون منه أن تتقوهم بالقول، ولا تجوز التقية بالفعل، ولكن لكم أن تعرضوا بالكلام الذي يسعكم القول به ولو لم تتقوهم لقول عمر بن الخطاب رحمه الله: لكم في معاريض الكلام مندوحة عن الكذب، والمندوحة السّعة.

وقال ابن عباس: ما أحب بمعاريض الكلام حمر النّعم، وحمر النعم هي الغرار من الإبل، وهي أفضل ما يكون منها، وهذه لفظة تقولها العرب في شيء تجله وتعظمه، وقد

١٬٩٤٠ / ٤٬٣٨٩