بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء السادس

الجزء ٦ · صفحة ١٠٠

اشتمله من أيدي الناس بثمن أو بغير ثمن، فإنما هو على التعارف معهم في موضعهم وهذا يطول به الشرح، ومن المشهور الذي لا يدفع وهو أقوى من البينة لأن البينة تحتاج إلى العدالة والبحث عن السؤال، فهذا لا يحتاج فيه إلا إلى اطمئنان ضميرك من ذلك، وفي قلبك ومن ذلك أنك تكون في بلدك من الأطفال الذين لا يعقلون حالاً من حال، وقد هلك والداك وخلفا بعدهما مالاً كثيرا في يدك لا تعقل منه قليلاً ولا كثيرا فلما بلغ بك الحال إلى حال البالغين من الرجال تقدمت إلى ذلك المال فأخذته أخذ الحلال بلا بينة من النساء ولا من الرجال، وإنما شهدت بذلك معك ما عقلته ولم يدفع، وهكذا سبيل المشهور فقس عليه واهتد به ولو عارضك معارض في ذلك المال وصرت إلى حكم اليمين حلفت أنه لك فميز أنه لك من شاهدك الذي في قلبك مما لا يدفع في بلدك فهكذا تجري المشهورات.

وقد قيل: إذا رأيت وليك يأكل مال غيرك فقد غفر الله لك، وإن أطعمك فلا تأكل، وقال بعض: ولعل ذلك قد يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - استفت قلبك فإن اطمأن إلى قوله فكل وإن لم تطمئن إلى قوله فلا تأكل، وهذا سبيل هذا، وقد روي عن عمر بن الخطاب رحمه الله: دع الرّبا والريبة، فعلمنا أن الريبة ما حرج به الصّدر وحاك في القلب، وقد قيل: إن أصل الدين الورع وأول الورع وأوسطه وآخره أن تدع ما تشك فيه وتقول هذا الشك فهو الشك الذي لا يعرف أن أصله حلال فجائز فيه مخالطة الحرام، فهذا المودوع بالورع، وأما أصل تعرفه صحيحا فعارضك الشيطان ليضيق عليك حلالك ويكدّر عليك مالك واحتال عليك بأعوانه وأنت على يقين من أمرك، فهذا شك باطل فلا يلتفت إليه ولا يلام عليه فليس هذا موضع ورع إلا ورع الزاهدين في الحلال مخافة الحرام، وقيل: هذا زهد النفل، وأمّا الزهد الذي يحمل على أهل النحلة فهو الزهد في الحرام.

وقيل: بين الحلال والحرام شبهات فيها هلك كثير من الناس كالراعي إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه ولا توفيق إلا بالله.

قلت له: فإذا قاضى الرجل في المركب على ما قد وصفنا ووضعوا له المركب في البحر في المكلى هل له أن يركب أو حتى يستأمرهم بالدخول؟ قال: يشاور من قضى فإذا أذن له في الدخول دخل عن رأيه على ما يطمئن إليه قلبه، وسبيل ذلك أنه لا يمنع ولا يدفع.

قلت له: فإذا دخل السفينة أيقعد من حيث يدخلها يقعد في أولها وله أن

١٬٩٥٣ / ٤٬٣٨٩