بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء السادس

الجزء ٦ · صفحة ١٠١

يتخطى الناس والقماش حيث أراد هو حتى يقعد حيث يريد، قال: فإذا دخلها استأذن من قاضاه أن يقعد فإذا أذن له أن يقعد في موضع مضى إليه من غير أن يؤذي أحدا.

قلت له: فإن لم يشاور لمن قاضاه في حينه ذلك أو كان من قاضاه في البر وقد أذن له بالدخول ويقعد حيث يريد هو حتى يجيء من قضاه أو كيف ذلك؟ قال: فيقول إذا اضطر على القعود قعد حيث أمكنه القعود إلا أن يحوله من قاضاه إلى موضع سواه تحول عنه أو يبيح له المركب يقعد حيث أراد بلا أن يؤذي أحدا إلا أن يقع الاضطرار غير الاختيار.

قلت: فإذا قعد في موضع قد أقعده فيه قعد هو فيه على ما وصفت من الاضطرار ثم أراد التحول من ذلك الموضع بنفسه وقعد في غيره يستظل من الشمس أو يقعد في الشمس من البرد، هل يكون له ذلك؟ قال: فهذا له أن يشترط على من قاضاه أنه يقعد فيه حيث أراد ويتحول فيه إلى متاعه حيث أراد، وكيفما عمل فيه فقد أباح له ذلك، فإذا أباح له ذلك وفعل ما ليس فيه مضرة في الاختيار فجائز إن شاء الله.

قلت له: فإن لم يتجه إلا أنه هو لا يؤذي أحدا في ذلك الموضع أو استأذن بعض الركاب أن يقعد معه على فراشه في موضعه بلا أن يضر أحدا ولا يقعد على القماش الذي يخاف من القعود عليه مضرّة.

قال: فنقول: إذا أقعده في مكان من المركب وهو في حد الاختيار لم يتخذ مكانا سواه إلا عن رأيهم في معانيه التي لابد منها أو يقع عليها الضرر، فلابد من التحول إلى ما هو أرفق به من غير ضرر عليهم ولا على سواهم أو يصل إلى أحد في مكانه فيقعد معه على فراشه، وكذلك جميع حوائجه في المركب إلا أن يحجروا عليه فيما لا يقوم أمورهم إلا به لأنهم هم أعلم بعورات مركبهم منه، وهذا الراكب في البحر لعله أراد يحتاج أن يعلم أنها سفينة والصبر واليقين، فإن ركبه فقد صحب الهم والبلى فهو له مقارن، وخوف البحر كخوف البر ليس بينهما فرق إلا من ضعف يقينه ورق دينه.

وإنما خاف أهل البحر لما قد جربوه بالغرق وكل الخوفين واحد ولو أراد الله جل وعز أمشاهم على الماء وحملهم عليه كما أمشاهم على الأرض وحملهم عليها ولكن كان من إرادته أن يريهم من علامات تدبيره وبراهين آياته ما يزدادون به يقينا، وقد أمشى عيسى - صلى الله عليه وسلم - على الماء، ولو شاء لحمله على الهواء، وكل الأمر لله في خلقه ليس معه

١٬٩٥٤ / ٤٬٣٨٩