بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء السادس

الجزء ٦ · صفحة ١٢٠

وقال الله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (النحل:106)، ولكن من شرح بالكفر صدره فعلى ما في قلبه وأنزل عذره، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، وقال: «يا عمار بن ياسر أخذوك حتى قلت ما قلت فإن زادوك فزد»، وقال ابن مسعود: ما من كلمة تدفع عني ضربتين بسوط يسألونه إلا تكلمت به، وليس الرجل بأمين على نفسه إذا عذبت أو قيدت أو ضربت أو وعدت أو جوعتن أو خوفت، وبايع الناس لعله يريد إذا اتقى لم يبايع من لا يستحق البيعة، وبلغنا عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن ذلك وهو في المسجد فقال: ما أبالي مسحت هذه الاسطوانة بيدي أو بيده، إنما البيعة بالقلب وليست باللسان.

مسألة: ومن غيره قلت له: أيسعه أن يعطي السلطان الجائر الحابول وهو يعلم أنه يخرف أموال الناس القرامطة أو غيرهم؟ قال: لا يسعه ذلك وهذا لا تسع فيه التقية.

مسألة: وليس لأحد أن يركب معصية الله وإن جبر عليها إلا أن يكون قولا باللسان من غير أن يشرح به صدرا فله أن يقول وذلك أن المسلمين قالوا: إنما التقية بالقول لا بالفعل وذلك عندنا إذا أخذ المجبور قهرا ولم يجد عن القول محيدا ولا مفرا وخاف على نفسه أن يعطب أو على بدنه أن يعذب أو ماله أن يسلب وخاف الحبس أو القيد أو الضرب أو رأي من فعل ذلك به فدعوه إلى الحلف بالطلاق والعناق والصدقة، فحلف بهذه اليمين مخافة من تلك العقوبة على نفسه حينئذ جاز له المقال ما لم يكن في قوله سفك دم ولا إتلاف مال فأرجو أن لا حنث عليه إذا كان مغصوبا نفسه وأما فعل المعصية فهو حرام في كل حال.

وقد قيل: إن عزان بن الصقر أجاز ما يجوز في الاضطرار من أكل الميتة، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا حنث على مغصوب»، فتوبة من جبر على فعل معصية ففعلها مما يلزم في ذلك الفعل الذي جبر عليه حق للعباد من دم فما دون ذلك الخروج إلى من لزمه له حق من فعله تلك المعصية أو إعطاء الحق على ما يلزمه إلا أن يعلن أن الجائر له على ذلك قد أعطى الحق من نفسه ودان به إلى من يلزمه من حق لأحد من قبل هذه المعصية المجبور هذا عليها وليس على المجبور إلا الاستغفار والندم والتوبة إلى الله من ذلك.

١٬٩٧٣ / ٤٬٣٨٩