الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ١٢٤الذهاب إلى مكة ليقول في النبي ما يرضي به الكفار ويستخرج ماله من أيديهم ودينه الذي كان له عليهم فأذن له على ذلك.
قيل له: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأذن للحجاج في القدح في الرسول ولا بالقدح في الإسلام ليستخرج بذلك ماله عليهم وإنما أذن له بأن يرضيهم بالقول في النبي عليه السلام إذا خاف على نفسه منهم القتل إذا وصل إليهم ليستخرج ماله.
فإن قال: فإن كلفه الجبار ليجبي له الخراج من الناس، قيل له: عليه أن يهرب منه إن قدر على فعل ذلك، فإن فعل شيئا من ذلك كان ظالما شاذا على عضده.
فإن قال: فإن الجبار أمره بضرب رجل أو قتله وقال له: إن لم تقتله قتلتك هل له أن يحيي نفسه بهذا الفعل؟ قيل له: ليس له أن يحيي نفسه بتلف غيره ولا يفدي النفس بمثلها وإنما يجوز أن يفدي بدونها.
فإن قال: فإن أخذه الجبار بشرب الخمر أو الميتة أن يأكلها هل له فعل ذلك؟ قال: نعم، إذا خاف على نفسه لأن الله جل ذكره قد أباح ذلك في الاضطرار بقوله عز وجل: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ﴾ (المائدة:3)، قال عز وجل: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾.
فإن قال: فإن كلفه أن يقذف المحصنات أو يقول في أحد من المسلمين ما ليس فيه هل يجوز له ذلك؟ قيل: نعم إذا خاف على نفسه القتل والضرب الشديد المؤدي إلى الهلاك.
فإن قال: ولم أجزتم قذف المحصنات عند الاضطرار، والقدح في المسلمين؟ قيل له: إن قذف المحصنات هو كذب عليهم، وكذلك القول في المؤمن بما ليس فيه، ولا يشبهه هو كذب، وقد أباح الله جل ذكره عند الاضطرار الكذب بقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (النحل:106)، فعذره في هذه الحال، وهو يقول: ﴿إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ (المائدة:73) وهذا أعظم لأنه كذب على الله تعالى، والكذب على المسلمين أيسر من الكذب على الله إذا لم يعرف المعاريض، فأما إذا عرف المعاريض فليس له أن يقول، إذا قدر على ذلك، ألا ترى أنهم لو قالوا له إن محمدا يكذب على الله وهو يعرف محمدا آخر يكذب على الله في تنزيل أو تأويل، فقال: محمد كذاب، وهو يعني محمدا الكذاب.
فإن قال: فإن كلفه الزنا وخاف القتل لم يفعل، قيل له: لا يجوز له ذلك لأن الزنا ظلم للمرأة، فليس له أن يظلم غيره لينجي نفسه، فإن قال: فإن كانت المرأة راضية