بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء السادس

الجزء ٦ · صفحة ١٢٥

بذلك مطاوعة له هل له ذلك؟ قيل له: لا يجوز له أيضا ذلك وهو طاوعته لأنه ظلم لها لما يكلفها من العار والعيب القبيح والإثم العظيم عند الله عز وجل، وإن كانت بذلك راضية لأن الله جل اسمه لم يأذن لها بأن ترضى به فرضاها بما لم يجعل الله الترضي لها به كلا رضى لأنه يصير ظلما منه لها كما لو رضي رجل بأن يقتله هذا المؤمن ليخلص به نفسه إذا أكرهه الجبار على أن يقتله ولم يكن له ذلك لأن الله لم يجعل له الرضى بذلك.

فإن قال: فإن أكرهت المرأة على الزنا قبل له عليها أن تمسك جوارحها وليست هي كالرجل، لأن الفعل منه، فالمرأة لها فعل ولا يحرم عليها إلا المطاوعة وترك الاضطرار وليس سبيلها كسبيل الرجل.

فإن قال: فخبرني عن مؤمن أخذه الجبار بمال كثير يطلبه منه وعلم أنه إن لم يدفع إليه المال أنه يقتله بالجور أن لا يدفع ذلك إليه وهو يقدر عليه، قيل له: لا يجوز أن يدفعه إليه إذا كان عنده أنه يقتله إذا لم يدفعه إليه، وعليه أن يفدي نفسه بالمال وإلا كان عاصيا لربه، فإن قال: ولم يفعل ذلك؟ قيل له: إن الله أوجب عليه أن يكون نفسه آثر عنده من ماله وأن ينفق ماله في صلاح نفسه فلا صلاح لنفسه أكثر ولا أولى من أن يفدي نفسه من القتل، وأيضا فإنه لم يكن عليه أن يفدي نفسه بماله لم يكن له أن يفدي نفسه بدرهم واحد، وإن كان ماله كثيرا إذا كان الفداء بالمال غير واجب، وإن كان وجب فداء النفس بالمال كان بالقليل والكثير، ألا ترى أن الفقهاء جميعا أوجبوا عليه أن يشتري الماء بالثمن الكثير مع وجود البدل وهو الصعيد، فإذا امتنع بالغلاء لم يكن عليه وغلاؤه أن يدفع في ثمنه ما يخاف أن يضره إخراجه من ماله، فإحياء نفسه أولى، وكذلك لو وجده بملكه كله للشرب وخاف على نفسه الموت من العطش أنه يشتريه بجميع ماله ولا يقتلها وهو يقدر على فدائها، وكان على صاحب الماء أن يرد عليه فضل قيمة الماء في موضعه.

فإن قال: فإن كانت نجاته من هذا الجبار بجميع ملكه هل له أن يدفعه إليه؟ قيل له: نعم عليه أن يحيي نفسه بما لا يقدر عليه.

فإن قال: أرأيت إن كان بعض المسلمين في يد عدو وقد أسره وطلب فداء عليه أكان على المسلمين تخليصه بشيء من مالهم؟ قيل له على الإمام أن يخلصه من بيت

١٬٩٧٨ / ٤٬٣٨٩