بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء السادس

الجزء ٦ · صفحة ١٢٦

المال، فإن لم يكن إمام فعلى المسلمين تخليصه إلا أن يكون المال الذي يطلبه إذا دفعوا إليه أضعفهم وقوي به عليهم واستولى به على جميعهم أو ضعفوا عن عدو لهم فهو أشد ضررا منه عليهم فحينئذ لا يدفعون إليه شيئا ولا يلزمهم لأن قتل واحد أيسر على المسلمين من جميعهم وذهاب الحق من أيديهم.

فإن قال: ولم أوجبتم عليه تخليصه بالمال؟ قيل: لأن عليهم أن يخلصوه بأنفسهم بأن يقاتلوا عنه ليخلصوه إذا رجوا ذلك وكان الغالب على ظنهم أن يقدروا على تخليصه فتخليصهم إياه بالمال أيسر، فإن قال: ولم أوجبتم على المسلمين أن ينفقوا أموالهم في صلاح غيرهم؟ قيل له: على المسلمين أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر إذا رأوا القدرة على ذلك بأنفسهم وسلاحهم ودوابهم وهذا إجماع من الناس.

فإن قال: فإن أخذه الجبار بمال ولم يكن عنده إلا وديعة لغيره هل كان عليه أن يفدي نفسه بها؟ قيل له: نعم، ويضمن.

فإن قال: فهل له أن لا يسلمها حتى يقتل؟ قيل له: ليس عليه أن يقاتل عليها إذا كان عنده أنه لا يتخلص من القتل ويؤخذ فلا يبقى ولا تبقى هي أيضا وإنما يجوز له أن يقاتل عليها وعلى ماله إذا كان بين الخوف والرجاء، فأما إذا كان العدو عشرة وهو وحده، وليس من عادته القتال أن يغلب عند القتال اثنين منهم كانت محاربته إياهم قتلا منه لنفسه.

فإن قال: فإن طولب بمال ولم يجده إلا مالا لغيره هل يقصد إليه فيأخذ منه ويخلص به نفسه؟ قيل له: نعم وعليه الضمان، فإن قال: ولم أبحتم له أخذ مال غيره لينجي به نفسه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطينة نفسه»، قيل له: على صاحب هذا المال إذا علم بظلم الجبار له وأنه يريد قتله وقدر على تخليصه به كان عليه أن يخلصه من القتل بهذا المال كما قلنا فيما تقدم من كلامنا في هذه المسألة، وأيضا فلا خلاف بين أهل العلم لو أن رجلا لو كان في سفر أو حضر وعدم الطعام وخاف على نفسه الهلاك من الجوع ولم يجد ما يأكله إلا مال رجل مسلم أنه يأكل منه بغير رأي صاحبه ويضمن ويحيي نفسه من الموت ولا أعلم في هذا اختلافا بين أهل العلم.

واختلفوا فيه إذا وجد الميتة وهو يقدر على أكلها ووجد طعاما لرجل مسلم فقال أكثر الفقهاء: يأكل من المال ويضمن، ولا يأكل من الميتة فإذا كان الإجماع من الناس على أن للإنسان أن يحيي نفسه بمال غيره من الطعام الذي هو مال بغير رأي

١٬٩٧٩ / ٤٬٣٨٩