بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٠٤

الخطب فيه، من سائر ما ظهر، لأنه أغرب وأعجب وأفظع وأشنع، ومحال أن ينقل الأدون ويتعلق به ويترك الأجل الأقطع، وبالله التوفيق.

وقد زعم قوم من أهل الكلام أن الحجة في القرآن إنما هو ما فيه من الأخبار عن الغيوب، فإن الله جل ذكره منع العرب وصرفهم عن معارضته، لأنه في نفسه معجز قيل له: لو كان هذا على ما ذكرتم كان الواجب في الحكمة أن يستحق نظمه لأن الأعجوبة في عجزهم عنه مع القدرة ما هو أجود منه وأفصح كانت تكون أعظم وأدل على المراد.

وقد طعن بعض الملحدين في القرآن فقال: لا يجد الإنسان يقول: الحمد منفردة، ورب العالمين منفردة، وكذلك كل لفظ من القرآن فإذا كان يمكنه أن يأتي بمثل هذه الألفاظ منفردات وقد صح القدرة عليها، وإذا كان قادراً عليها فما الذي يمنعه من جمعها، ومتى يدركه عند العجز عن اللفظة الثانية أو الثالثة أو الرابعة، وما البرهان على ذلك؟

فعارضهم بعض المتكلمين فقال: أخبرونا عن البكا المفحم، أليس يقدر أن يقول: "قفا نبك" منفردة؟ "ومن ذكرى حبيب" منفردة؟ ثم كذلك كل لفظة من هذه القصيدة؟ فإذا كان يمكنه أن يأتي بها منفردات وكان قادرا على ذلك فما الذي يمنعه من جمعها ونظمها النظم الموزون؟ ومتى يلحقه العجز في اللفظة الثانية أو الثالثة أو الرابعة، فلم يجدوا في ذلك فرقا؟ والحمد لله.

وقد كان بعض الجهال ممن يتهم بالإلحاد، ويطعن عليه به ويدّعي علم اللغة والفصاحة، إذا قرئت بين يدين الآية أو السورة من القرآن يروم أن يعارض به أشعارً مقولة، وخطباً لبعض المتقدمين معلومة،

٢٠٢ / ٤٬٣٨٩