الجزء السابع
الجزء ٧ · صفحة ٢٧الباب السابع
في الانتفاع بالطاهر إذا عارضته النجاسة
ومن جامع أبي محمد: قال أصحابنا باستعمال السمن الذائب إذا حكم له بحكم النجاسة للسراج، لأن ما عرض فيه من النجاسة لم يحرم عين السمن وإنما منع استعماله للأكل لاختلاط النجاسة به، فإن قيل: لِمَ لا يكون محرما الانتفاع به لنجاسته لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها؟» قيل لهم: الشحم حرمه الله عليهم، فعينه محرمة عليهم، والسمن والشحم الحلال المعترض عليهما النجاسة ليس كذلك بل إنما عرض فيهما من النجاسة، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإن كان مائعا فأريقوه، وإن كان جامدا فألقوها وألقوا ما حولها»، ولو جاز الانتفاع به ما أمر بإراقته وهو ينهى عن إضاعة المال، ألا ترى إلى سؤر الكلب لما لم يجز الانتفاع به أمرنا بإراقته، ولما مر بشاة مولاة لميمونة وهي ميتة لم يجوز الانتفاع بها في الحال بوجه من الوجوه لنفي المعنى الذي به يتوصلون إلى الانتفاع به مع حصول النجاسة في الحال الثاني وهو الدباغ، فلو كان للسمن وجه يجوز الانتفاع به مع حصول النجاسة منه لما أمرنا بإراقته، قيل له: إن الأمر بإراقته لا يوجب ترك الانتفاع به من قبل أن إراقته استهلاك، وقد يقع فيه استهلاك بوجه وينتفع به لمثل الدباغ والسراج وغيره، وأيضا فإن الذي أفادنا الأمر بإراقته هو المانع من أكله، وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أمرنا بالاستصباح به من طريق عليٍّ، وإذا كان الأمر على هذا حملنا على الوجه الذي يقع الانتفاع به، وإن كان استهلاكا إذا لم يكن ذلك الانتفاع بالأكل، وإذا جاز الانتفاع به بعد الدباغ وإن كان نجسا أباح ما كان ممنوعا من أجله، والله أعلم.