الجزء السابع
الجزء ٧ · صفحة ٧٥في وقوع اسم الميتة على الشعر والوبر، ولا دليل على وقوع اسم الميتة عليه، ومن تعلق بعموم الآية قوبل بعموم مثله وهو قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ (النحل:80)، ولم يخص بعد هذا العموم الميتة ولا غيرها.
فإن قال: من أصوافها وأوبارها وأشعارها إذا لم يكن ميتة، قيل له: حرمت عليكم الميتة إلا الصوف والشعر والوبر ويكون كل منا متعلق بالعموم يطلب به، والصحيح ما قال أصحابنا، والدليل على صحة مقالتهم إن الشعر والوبر والصوف والعظم والقرن لم يدخل في ذلك التحريم عند قوله: حرمت عليكم الميتة، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مر بشاة لمولاة لميمونة وقد كانت أعطتها من الصدقة وقد ماتت، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه وانتفعتم به»؟ فقالوا: يا رسول الله، إنها ميتة، تعلقوا بما تعلق به الشافعي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الأمر كما وقع لكم إنما حرم أكلها»، فرد التحريم إلى ما يؤكل دون ما لا يؤكل، فهذا يبين على أن التحريم لم يقع على ما جوزه أصحابنا، وإنما وقع على ما يؤكل منها والله أعلم.
ودليل آخر يدل على صحة هذه المقالة قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت»، وأجمع الكل على أن لو قطع عضو من أعضائها وقع عليه اسم الميتة ولو جز شعرها ووبرها وصوفها لم يسم ميتة وكان في إجماعهم دلالة على تفريقهم بين ما يؤكل وما لا يؤكل.
والعظم عندي على ضربين: عظم يؤكل وعظم لا يؤكل، فالعظم الذي يؤكل داخل في حيز الحظر والعظم الذي لا يؤكل فخارج من حيز الحظر، فإن قال قائل: ما العلة في النهي عن استعمال إهاب الميتة إلا بعد الدباغ، وإنما يوضع به ملح أو رماد أو تراب ويجعل في الشمس، وأما الذي نقل هذا من غير ما نهي عنه؟ قيل له: التعبد قد ورد بذلك وقد يرد الشرع على إيجابه، فمنه ما يعقب بألفاظ، ومنه لا يعقب بألفاظ، وما عقب بألفاظ قد يكون علة فأما ما يكون علة فقوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (الجمعة:9)، فكان ما عقب به من ذكره (خير لكم) علة لما رغب وقد لا يعقب الخطاب لذكر شيء، والعلة قد نعلمها، لأنها للمصلحة من فعل الحكيم وما يعقب بألفاظ قد لا يكون، ولا يكون الحكم معلقا به، وإنما يجري بطيب النفس بالسبب لمحث على فعله والمرغب فيه، لأن الإنسان يحب النظافة ويختارها، وفيما أمر عليه السلام من دباغ الإهاب وتغيره عن حاله الأولى ضرب مما تميل إليه النفس وتختاره