الجزء السابع
الجزء ٧ · صفحة ١١٨وتتقلب ببدنها (بضرعها) في البول، فإذا ذهبت عينه بتراب أو شمس أو ريح أو غير ذلك عاد إلى حكمه من الطهارة، وكذلك ما يعاين على منقار الدجاجة من العذرة والجلالة من الحمير والبقر وأكل السنور للفأر وظهور الدم بفمه، فإذا غابوا ثم عادوا في مدة قصيرة ولم يعاينوا عليهم من تلك
النجاسة شيئا حكموا لهم بحكم الطهارة وصار سؤرهم طاهرا، وكذلك قالوا في عظم المشرك وعظم الميتة وقنح نجس في حال الرطوبة النجسة به فإذا جفت وزالت الرطوبة صار طاهرا عندهم ونحو هذا من قولهم كثير، ويدل على صحة هذا: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، فلما كان إهاب الميتة يطهر بالملح أو بالشمس أو التراب أو الرماد أو ما تذهب منه التي هي عين النجاسة وجب أن تكون عين النجاسة إذا زالت عن الشيء صار طاهرا والله أعلم، فإن قال قائل: إن النعل تأكلها الأرض فتذهب عين النجاسة وما لاقته النجاسة؟ قيل له: هذا إغفال ممن احتج به، وذلك أن النعل قد يطأ بها في المائع من النجاسات كالبول والماء والنجس والدم وما جرى مجراه فتنشف النعل منه حتى ينتهي إلى ظاهرها أو دون ظاهرها فلا يؤمر صاحبها أن يجتنبها إذا تطهر للصلاة ثم لبسها حتى تأكل النعل الأرض إلى منتهى ما بلغت النجاسة إليه أو تفنى، فلما أجازوا له الصلاة فيها ولبسها والقدم رطبة إذا زالت عين النجاسة عنها علمنا أن هذه علة تكلفها بعض المتأخرين، لقول من ذكرنا قوله من المتقدمين والله أعلم، وبالله التوفيق، فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون هذا من قولهم في غير الإنسان المتعبد؟ فأما من لا عبادة عليه فلا لأنهم لم يقولوا بمثل هذا فيما مس البدن والثوب والحصير والأواني فلما لم يقولوا إلا بتطهير ذلك بالماء كان هو الدليل على إنما يطهر بغير الماء، إنما خص به من لا عبادة عليه، قيل له: هذا غلط من قبل إنا متعبدون بأن نجتنب الأنجاس، وإنما ذكرنا تعبدنا فيه بأن لا نمسه ولا نستعمله ولا نباشره في حال طهارتنا، وإنا ما لاقانا منه فحكمه النجاسة وعلينا العبادة منه بالطهارة، ألا ترى أن العلة لهم غير ما توهمت أنهم قالوا: إن رعف أو قاء أو خرج منه دم إن زوال عين النجاسة عمن لحقه ذلك حكمه حكم الطهارة من غير تطهير بالماء؟ وكذلك ما روى محمد بن جعفر في
الجامع، إن من توضأ وعلى بعض الجوارح الوضوء منه بنجاسة قائمة العين نحو الدم أو غيره فمسحه بحجر أو مسحه له غيره وبنى على مسحه، ولم يأمر بغسله بالماء، وكذلك ما ذهب إليه بعضهم من جواز أكل الخبز إذا عجن بماء نجس فأذهبت النار عين الرطوبة منه فهذا يدل على ما قلنا دون ما توهمت والله أعلم.