بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٢٨

الواحد أسماء كثيرة، كالأسد والفرس والسيف والخمر، وغير ذلك مما يكثر وصفه، ويطول ذكره، وقد سموا بالاسم للواحد وخلافه كالأقرا ونحوها وقد كنوا عن الشيء باسم غيره، وأشاروا إلى الشيء بمعنى غيره واستغنوا عن الاسم بالإشارة إلى الغير، واكتفوا بالإيماء عن الكلام، وأرجو أن يبين معنى ذلك بعد هذا، إن شاء الله.

ومن الكتاب صيغة الأمر إذا وردت معرّاة من القرائن والمقدمات والدلائل ووردت مطلقة كانت على الإيجاب، وقد ترد تلك الصيغة مع قرينة تنقلها إلى الندب، وقرينة ترى عجز المأمور، وقرينة تدل على إطلاق بعد حظر، وقرينة يراد بها التكرير لامتثال الأمر، وقرينة ترى رفع منزلة المأمور، وتكريما له، وقرينة ترى الوضع من المأمور، وقرينة تنقلها إلى النهي، ومنه ما يراد به التهديد والزجر.

والصيغة التي ترد مطلقة كقوله جل ذكره: * (*كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ*) *(1) توجب امتثال المأمور به، لأنها وردت مطلقة، لا قرينة معها ولا دليل بنقلها، والذي يدل على التكوين دون امتثال الأمر قوله عز وجل: * (* كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ*) *(2) لم يرد منهم أن تكون أنفسهم قردة، لعلمنا أن الفطرة تعجز عن ذلك.

والذي أريد به دون امتثال الآمر قوله تعالى: * (*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ*) *(3) ثم قال: * (*فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ*) *(4) وهذا إطلاق بعد حظر غير موجب

(1) من الآية الرابعة من سورة إبراهيم.

(2) من الآية 135 من سورة النساء.

(3) من الآية 65 من سورة البقرة.

(4) انظر الآيتين 9 و10 من سورة الجمعة.

٢٢٦ / ٤٬٣٨٩