الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٣الفصل الرابع
في الإجماع
الإجماع هو اجتماع مجتهدي الأمة في عصر على حكم في حادثة، وهو حجة لا تجوز مخالفتها، وكل من خالف الحجة فهو محجوج، فمن شهدت له حجة الله أنه محق فهو في الظاهر في دين الله محق، ومن شهدت عليه أنه مبطل فهو في الظاهر في دين الله مبطل، ولو كانت الحجة قد خانت الله سريرتها، وحاشا حجة الله من ذلك، ولكن لا نتقلد من الأمور ما غابت عنا صحته.
وقيل الإجماع من كل أهل زمان من المسلمين إجماع، إذا كانوا أهل رأي، والاختلاف اختلاف، ولو كان رجل واحد سبق على قول، وكان عام أهل زمانه كان حكمه قد سبق على الإجماع، وكان على من خلفه اتباعه على ذلك، وكذلك إن قال ولم ينازعه العلماء في عصره وسلموا له كان ذلك إجماعاً(1).
(1) اختلف العلماء في اشتراط انقراض عصر المجمعين لثبوت الإجماع، فقيل لابد من انقراض العصر، نظرا إلى إمكان رجوع بعض المجمعين عن رأيه، وقيل: إذا اتفق الذين ينعقد بهم الإجماع من المسلمين على رأي انعقد الإجماع باتفاقهم، ولو لم ينقرض عصرهم إذ الاتفاق الذي هو منشأ الإجماع حاصل وعلى كل فإن حجية الإجماع تكتسب قوة بانقراض عصر المجمعين مع عدم تراجعهم، أو تراجع بعضهم عما أجمعوا عليه، والقول الفصل في ذلك: إن الإجماع بعد انقراض عصر المجمعين يكون قطعي الدلالة إذا توفرت بقية شروط القطعية فيه، بخلافه قبل انقراض العصر، فإن حجته لا تتجاوز أن تكون ظنية، وهذا الفارق بعينه يفرق بين الإجماع القولي والسكوتي، فإذا اتفق جميع المجتهدين في عصر على رأي لم يسبقوا بخلافه ونطق به كل واحد منهم صار ذلك إجماعاً قطعيا، وأما إذا نطق به بعضهم وسكت الآخرون فإن إجماعهم لا يجاوز أن يكون حجة ظنية، والله أعلم.