بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء السابع

الجزء ٧ · صفحة ٢٤٤

قال من متاع البيت، ومتاع البيت لا يكون إلا طاهرا، وقد جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - فيما يروى أنه قال فيه إنه من الطوافين عليكم ومن الطوافات، يعني أنه من العيال لمعنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ (النور:58)، (القصة كلها)، ثم قال: طوافون عليكم بعضكم على بعض، وقد ثبت في العيال في معاني الإجماع أن أولاد المسلمين على الطهارة حتى يعلم نجاستهم.

ويروى عنه - صلى الله عليه وسلم - في السنور أنه كان يأتي إليه وهو يتطهر أحسب وضوء الصلاة إلا أنه يأتي إليه وهو يتطهر من الإناء لعله يتعرض للماء، فقيل: إنه كان يميل إليه الإناء أي يحرفه إليه لينال الشرب منه ويصل إليه فيشرب السنور من مائه - صلى الله عليه وسلم - ثم يتطهر من ذلك الماء.

وهذا في السنور هو الثابت في معاني جميع الدواب ما خلا المحرمات بكتاب أو سنة أو إجماع، ولا نعلمه مما جاء فيه شيء منصوص من أحد هذه الوجوه بتحريم إلا أنا وجدناه مشبها للنواهش من السباع في أكل الميتة معاني الميتة من الفأر وغيره من ذوات الأرواح البرية، والدماء الأصلية التي حرام ميتتها وفاسدة إذا لم تكن ذكية، وأكله لها حية كأكله ميتة، وذلك نجس فاسد، ووجدنا هذا منه شبه المعروف من عاداته بمعنى السباع مخرجا بهذا الوجه لأن السباع وإن أكلت الميتة من كبارها وعرفت بذلك، فإن السنور معروف بأكل صغارها، وصغارها مثل كبارها، وبالإدمان على ذلك إذا وجدها، وإنما تتخذ في البيوت لها فهو معروف بذلك على شبه الإدمان، فقد ثبت بمعاني السباع ومشبه للسباع النواهش، إلا أنه معروف أنه يخلط الطاهر مع النجس، والحلال مع الحرام في أكثر عاداته وأحواله، وليس بمعروف أنه يعتلف ذلك وحده، بل صحيح أنه يخلط معه غيره.

والسباع البرية أقرب إلى الاسترابة في أنها أقل ما تخلط من الطاهر في معيشتها، وإن خلطت فذلك غالب من حكمها، فهو وإن أشبه السباع في معنى النهش، وأكل الميتة فإنه لا يشبهها في معاني استرابتها لقلة الخلط للطهارات مع النجاسات.

والسباع وإن كانت مسترابة فما لم يقض عليها بالحكم بأنها لا تخلط مع الحرام شيئا من الحلال، ولا مع النجاسة شيئا من الطهارة فإن أصلها الطهارة في جملة المستثنيات في الطاهرات، ويلحقها من الاسترابة بهذا المعنى أكثر من غيرها من

٢٬٣١٤ / ٤٬٣٨٩