الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ١٤هذا القول حتى قيده لئلا يتوهم أحد أنه أراد بالقول كما خبر عن اليهود فقيده ولم يطلق، وقال في موضع آخر: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ﴾ (المجادلة:8) فسمى اعتقاد الضمائر قولا ولم يطلق إذ قال لحكمنا أنهم قالوا بألسنتهم واعتقدوا بقلوبهم، فلما أراد القول الذي لا يرد بورود الإطلاق قيده.
ولما كان القول المطلق معقولا في اللغة وهو قول باللسان واعتقاد بالقلب لم يحتج إلى شرحه وتبيينه عندما خبر عن اليهود بما خبر، وإذا كان هذا هكذا ثبت أن المطلق يعقل به ما لا يعقل في المقيد، وأن المقيد يعقل به ما لا يعقل بالمطلق وبالله التوفيق.
ومن الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ (الزمر:21)، فالماء المطهر ما نزل من السماء، وما خرج من الأرض لا خلاف بين الناس في ذلك قبل أن يخلط بغيره أو يضاف إلى شيء يعرف به.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن ماء البحر فقال: «الطهور ماؤه والحل ميتته»، وهو داخل في جملة ما تلونا من كتاب الله عزّ وجل، فكان ما أنزل من السماء وجد على وجه الأرض أو نبع من موضع فهو الماء الذي جعله الله طهورا، عذبا كان أو مالحا، خالطه ماء مرّ عليه أو لم يخالط كالماء الجاري على السبخة أو الحمأة ونحو ذلك ما يخرجاه من عموم الآية، ولا يجوز التطهر بماء الورد وماء الزعفران وما كان من نحوهما لأنه خارج من عموم الآية ولأنه استحال عن الماء المطلق الذي هو طهور بغير إضافة، ولا يجوز أيضا الطهور بماء الباقلا والحمص لأنه في جملة المأكولات ولا يجوز التطهر بالنبيذ ولأن الخلّ لا يجوز التطهر به وهو أطهر منه، فأما الماء الذي قد توضئ أو اغتسل به فإن التطهر به لا يجوز، لما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى الجنب أن يغتسل في الماء الدائم، فقيل له: يا أبا هريرة وكيف نفعل؟ قال: نتناوله تناولا فلولا أن غسله فيه من الجنابة يؤثر فيه تأثيرا يمنع من استعماله لم ينه عنه، ولا يجوز صرفه عنه إلا بمعنى يوجب التسليم والله أعلم.
هذا القول يدل على المنع من استعمال ماء قد استعمل لطهارة الصلاة، ولقول عمر رضي الله عنه لأسلم مولاه، يأكل من الصدقة يأكل من أوساخ الناس: أرأيت لو توضأ إنسان بماء أكنت شاربه؟! ولقول ابن عباس: إنما يفسد الماء أن تقع فيه