بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثامن

الجزء ٨ · صفحة ١٥

وأنت جنب، فأما إن اغترفت منه فلا بأس كما قال أبو هريرة حين روى الخبر، وروي عن علي وابن عمر أنهما قالا: خذوا للرأس ماء جديدا، وروي نحو ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا ترى لو غسل يديه إلى المرفقين ثم رده إلى الأصابع لم تعده الأمة متوضئا مرتين.

ويدل على ما قلنا أن رجلاً لو كان في سفر ولا ماء عنده وعند رفقائه ماء فمنعوه منه لم يبح له أحد من الفقهاء أن يتطهر بغسالتهم وفضل ما تطهروا به مما لاقى يديه، قيل له: تيمم وأبطلوا جواز الوضوء به، ولولا ذلك لم يجز تيممه به، ويجوز استعمال الماء المستعمل في إزالة الأنجاس لأنه يزيل النجاسة لطهارته في نفسه، فأما التطهر به من غير نجاسة في الإنسان فإنما ذلك لإنفاذ العبادة في الظاهر والله أعلم.

ومن الكتاب: الدليل على أن الماء المستعمل لا يجوز التطهر به للصلاة ولو كان في نفسه طاهرا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الوضوء بفضل ماء المرأة، والفضل في اللغة البقية الفاضلة، فاحتمل أن تكون البقية من مائها الذي فضل عنها واحتمل أن يكون فضل ما لاقاه يدها بعد استعمالها إياه، فلما ثبت أنه كان يتنازع هو وعائشة من إناء واحد الماء للطهارة، تقول له أبقِ لي ويقول لها أبقي لي، كان الوجه الآخر هو الصحيح وهو الذي استعمل والله أعلم، فإن قال قائل: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - خصّ المرأة بذلك فلم أدخلتم الرجال مع النساء إن صحّ وسلم لكم خصومكم مع طعن في الخبر من المتفقهة وهو - صلى الله عليه وسلم - إنما نهى عن فضل المرأة والنساء لا يدخلن مع الرجال ولا يدخل الرجال مع النساء، وأن المؤنث إذا انفرد لم يدخل المذكر فيه، فإذا أخبر عن المذكر دخل المؤنث فيه، قيل له: إن الرجال والنساء يدخل بعضهم مع بعض في الخطاب والأمر والنهي.

وقد ثبتت السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أعتق شخصا في عبدٍ قوّم عليه، فكانت الأمة في معناه بإجماع، وإن كان الذكر في العبد دون الأمة، وكذلك ما روت عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا مسّت المرأة فرجها انتقضت طهارتها»، فكان الرجل مع النساء، ويدل على صحة هذا التأويل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (النور:4)، وكان المحصنون في معناهم ويجب على قاذف المحصنين ما يجب على قاذف المحصنات من الحكم، فإذا كان الذكر خص به المحصنات، وكذلك قال جل ذكره: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (النساء:25)، فكان العبد في حكم الأمة باتفاق، وإن كان الذكر خص

٢٬٣٦٢ / ٤٬٣٨٩