الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ٣٦مسألة: ومن الكتاب: فإن قال: فإن أصحاب أبي حنيفة يجيزون التطهر بالنبيذ، قيل لهم: لم يبيحوا ذلك لاستحقاقه اسم الماء، وإنما أجازوا ذلك بسنة ادعوها، والكلام بيننا وبينهم فيها، والدليل على أنهم لم يبيحوا ذلك من طريق الاسم وأنهم قالوا: التطهر بالنبيذ واجب عند عدم الماء، ففي ذلك دلالة لم يجيزوه من طريق الاسم.
ومن الكتاب: فأما ما ادعى أصحاب أبي حنيفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من إجازة التطهر بالنبيذ، فلو ثبت قولهم لم يكن فيما ادعوه دلالة على أن التطهر بغير الماء جائز، وذلك أن النبيذ أصله المنبوذ فنقل من مفعول إلى فعيل، كما يقال: مقتول وقتيل، ومجروح وجريح، واسم النبيذ فقد يقع على الماء الملقى في الطرق وإن لم يماع التمر في الماء، الدليل على ما ذكرنا قول الله عز وجل: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ (الصافات:145)، أي ألقيناه، ويدل على ذلك قول بعض الشعراء:
يخبرني من كنتُ أرسلتُ أنما
نظرتَ إلى عنوانه فنبذتُه … أخذتَ كتابي معرضاً بشمالكا
كنبذك نعلاً أخلقت من نعالك
وإذا كان اسم النبيذ واقعاً على الماء والتمر من قبل أن يمتزجا لم يكن فيما ادعوه دلالة على صحة ما اعتقدوه، والدليل على أن التمر لم يماع في الماء قول الرسول عليه السلام عند مشاهدته له: «تمرة طيبة وماء طهور»، فأثبت - صلى الله عليه وسلم - أن في الإداوة ماء وتمراً ولو انماع لم يستحق اسم الماء واسم التمر، وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الحكم بين المختلفين ولو ثبت التطهر بالنبيذ في زمن من الأزمان كان منسوخاً لأن ليلة الجن التي روي الخبر فيها عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت بمكة، ونزل فرض التيمم بالمدينة، وكان التيمم عند عدم الماء ناسخاً للنبيذ، والمنسوخ قد ارتفع حكمه والحكم به غير واجب، والله أعلم.