الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ١٢٢قعوده في ذلك الموضع، لا يسعه ويأثم فإذا كان كذلك خرج عندي معنى الاختلاف في وضوئه.
وإذا ثبت أنه مما إنما نقض وضوءه من طريق الإثم بالنظر إليه من لا يسعه النظر إليه، خرج عندي نقض وضوئه بذلك مما يجري فيه الاختلاف في قول أصحابنا لأني لا أعلم معنى ما ينقض الوضوء في قولهم بمعنى الإثم بغير نظر الفروج وأشباهها من المتوضئ إلا وفي نقض وضوئه بذلك معاني الاختلاف ولا يلحقه معنى الاتفاق من قولهم كائنا ما كان مما يأثم به إلا الشرك إذا أشرك بالجحود بشيء من الكلام أو الفعل، مما يرتد به إلى الشرك، فإني لا أعلم في هذا الفصل من قولهم اختلافا في نقض وضوئه، بل يخرج عندي معنى الاتفاق من قولهم بنقض وضوئه على هذا الفصل، وأما إن ارتد في نفسه بغير قول أو فعل، فمعي أنه يختلف في نقض وضوئه بذلك، وأما سائر المآثم ففيها عندي أنه في نقض الوضوء بذلك كان من القتل للنفس أو السرقة بما يجب به القطع أو سائر ذلك من الكبائر أو الكذب المتعمّد عليه، ففي معاني ذلك كله في نقض الوضوء اختلاف في قول أصحابنا.
ولعل الاتفاق من قول قومنا أو أكثر قولهم أنه لا ينقض الوضوء شيء من ذلك إلا من الأحداث من أمر النجاسات وما أشبهها، لا من طريق الإثم بغير معنى ذلك وما أشبهه من الأحداث من أمر الفرجين والملامسة، ولا نعتمد قول قومنا ولا نقبل منه إلا ما وافق العدل، وكذلك ينبغي أن يكون جميع ما جاء لا يقبل منه إلا ما وافق العدل، ولا فرق بين قول القائلين من الجميع، فمن وافق قوله العدل فهو العدل وإياه نعتمد وبه نأخذ وإليه نستند، ومن خالف قوله العدل فلا يجوز فيه قبول غير العدل منه لما تقدم منه من العدل في غير ذلك الذي قاله من غير العدل، ولا نقول إن أحدا من المسلمين من العلماء المهتدين يقول في الدين بغير ما يوافق العدل ولا ما يخالف العدل، إلا أن يكون منه ذلك على وجه الغلط وأن له ثبوتا منها أو يحرف معنى ما قيل عنه ممن نقل عنه ذلك، أو من الأثر الذي جاء عنه في ذلك.
وقد يكون من علماء قومنا الصحيح من القول وما يوافقون فيه أصحابنا في معنى الدين والرأي، ولا يرد على أحد من الخليقة شيء من العدل ولا يجوز ذلك من أمر الدين فيما يكون أحكامه أحكام البدع وتحليل الحرام أو تحريم الحلال، أو ما يكون حكمه حكم الدعاوى، وكل ذلك غير جائز قبول باطل منه ولا رد حق بما يخالف حكم العدل يعلم بباطل ذلك أو يجهل.