الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ١٦٢رجع مسألة: من كتاب الأشراف فيه نظر وعليه أن يعيد الوضوء، هذا قول النعمان ويعقوب، وقال محمد: لا وضوء عليه حتى يخرج منه مذي أو غيره.
وفيه قول خامس: وهو إن قبل حلالا فلا إعادة عليه وإن قبل حراما أعاد الوضوء، روي هذا القول عن عطاء، واختلفوا فيمن مس من وراء ثوب، فقال مالك: إن كان ثوبا رقيقا توضأ، وقال ربيعة، إن قبل امرأته أو غيرها من تحت الثوب أو من ورائه توضأ، وقال الشافعي: لا وضوء عليه.
قال أبو سعيد: معي أن معاني هذه الأقاويل كلها خارجة على معاني التواطؤ لقول أصحابنا إلا لقول الذي قيل أنه لا ينقض مس الفرج من زوجته على شهوة ولا على غير شهوة، ذلك عندي شاذ عن قول أصحابنا، وأما ما سواه فخارج على تواطؤ قول أصحابنا فيما قيل في هذا كل، وبعضه أحسن من بعض، والوضوء من المذي واجب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الوضوء من المذي والغسل من المني»، والطهارة واجبة منه باتفاق الأمة، وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: لو جرى فسال على فخذي لم أقطع منه الصلاة، وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - قاضية عليه.
ومن الكتاب: وإذا لمس الرجل المرأة أو غيرها بيده وهو متطهر كان على طهارته، فإن قال قائل: إن ذلك ينقض الطهارة، واحتج بقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء﴾ قيل له هذا غلط منك في تأويل الآية لأن اللمس في هذا الموضع هو الجماع، وإنما ذكر اللمس وأراد الجماع فكنّى عنه باسم غيره على مجاز اللغة، والدليل على ذلك قول الله جل ذكره: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء﴾ وهذا طريقه طريق التفاعل والتفاعل لا يكون إلا من فاعلين، فإن قال: فقد قرئ أو لامستم النساء يوجب التفاعل أو لمستم يوجب وقوع الفعل للّمس وحده ولا يوجب التفاعل، قيل له: قد دلت الآية الأخرى على المراد وهو قوله جل ذكره: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.
وقد أجمعوا أن المس هنا هو الجماع دون غيره، ولا فرق بين الطاهرين، وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس أنهما قالا: اللمس المذكور في القرآن هو الجماع، وأما ابن مسعود فروي عنه أنه قال: اللمس دون الجماع في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾ (النساء:43)، عن علي وابن عباس قالا: هم المسافرون.