بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثامن

الجزء ٨ · صفحة ١٦٦

الباب الخامس والثلاثون

في نقض الوضوء بالمأكولات وما مسته النار

وعن الطعام المطبوخ والشراب وأشباه ذلك، فقال: لا بأس عليك فكله مطبوخا وغير مطبوخ، فإن ابن عباس كان يقول لمن يكره أن يصلي وقد أكل شيئا قد مسته النار حتى يتوضأ، فقال: كيف تكرهون ذلك وأنتم تتوضأون وتغتسلون بالماء المطبوخ بالنار، وكيف تكرهون الطعام ولا تكرهون الماء وكله قد أصابته النار، وقد بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زار يوما حيا من أحياء الأنصار وكان لا يزال يزورهم فأتته امرأة بكتف شاة مشوية وهو قاعد فأكلها وتعرقها ثم قام فصلى ولم يتوضأ منها.

مسألة: سئل عن لبن الحليب شربه رجل أو مسه بدنه وهو متوضئ، أيعيد طهوره إذا أراد أن يصلي أو يغسل ما مس يده؟ قال: لا بأس به فإنه حلال طيب لا ينقض الوضوء، أخبرك أن رجلا من الفقهاء قال: كيف لا ترى بشرب الحليب بأسا إذا شربه الرجل نرى أن لا وضوء عليه منه والله يقول: ﴿نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ فإنما خرج من بين الفرث والدم وأنت لا ترى على من شربه وضوءا؟ فقال له ابن عباس: قال الله: ﴿لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ (النحل:66)، ألا ترى أنه خلص من ذلك كله، قال: فسكت الرجل فما استطاع أن يقول شيئا وأقر له.

وكان ابن عباس فيما بلغنا لا ينازعه أحد من الفقهاء في شيء، ففارق ابن عباس حتى يقر له ويفلح عليه ويرجع ذلك عن قوله إلى قول ابن عباس، وكان جابر بن زيد يسميه البحر، وقال: لم ألق مثل ابن عباس، وكان يقول: سيد الفقهاء، وقال جابر بن زيد: أدركت سبعين رجلا فليس رجل منهم قعدت معه إلا كنت أستنظف ما وراء ظهره إلا ابن عباس.

٢٬٥١٣ / ٤٬٣٨٩