الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ١٧٠مست النار من الأطبخة والشواء من الزهومة، يقولون: إذا غسلوا أيديهم وأفواههم من الأطعمة توضأنا، هكذا نعرف في اللغة والله أعلم.
وروي عن الحسن البصري أنه قال: الوضوء قبل الطعام ينفي الفقد، وبعده ينفي الهم، وفي نسخة ينفي اللمم والوضوء مأخوذ من الوضاءة من النظافة والحسن، منه قيل: وضّأ الوجه أي نظفه وحسنه، وكان الغاسل وجهه وضاًّ أي نظفه وحسنه، ومن غسل عضوا من أعضائه فقد وضأه، والوضوء الذي في كتاب الله هو الغسل، والمتوضئ يقول مسحت المسح خفيف الغسل لأن الغسل للشيء تطهير بإفراغ الماء، والمسح له تطهير بإمرار الماء، وقد كانوا يجتزون بالقليل من الماء ولا يسرفون، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ بمد من الماء، والمد قيل أنه رطل وثلث برطل زماننا، وهذا يدل على أنه يمسح أعضاءه وهو لها غاسل، والغسل عند أصحابنا هو إفراغ الماء وإمرار اليد على البدن وهو قول مالك وابن علية، وأما غيرنا فصب الماء عندهم بظاهر اللغة.
ومن الكتاب: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق بلال قال: حدثني مولاي أبو بكر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يتوضأ أحدكم من طعام أحل الله أكله»، فإن ثبت الخبر الذي رواه مخالفونا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالوضوء مما مست النار فإنه يحتمل أن يكون أمرهم بتنظيف أيديهم من الدسم لأن الوضوء في كلام العرب مأخوذ من الوضاءة وهي النظافة والحسن، ومنه يقال: فلان وضئ الوجه أي حسن نظيف.
والأمر إذا ورد بالوضوء كان ظاهره يوجب على المتعبد أن يأتي بفعل يسمى به متوضئاً، وإذا وضأ يده من الزهومة سمي بذلك متوضئاً وخرج مما تعبد به إلا وضوءا أجمعوا أنه لا يجزئ إلا هو.
ومن الكتاب: وليس من المأكول والمشروب وضوء لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ، ولما روي عن جابر بن عبد الله أن آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مست النار ولو كان فيه وضوء لكان ذلك أظهر وأشهر من حكم الغائط لكثرة البلوى به.