بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثامن

الجزء ٨ · صفحة ١٦٩

مأخوذ من النظافة، الدليل قول الشاعر:

مساميح الفعال ذوو أناة … مراجيح وأوجههم وضاء

يريد من النظافة فقد يمكن أن يكون المراد بالوضوء النظافة في هذا الموضع وهو غسل اليد استحبابا لا إيجابا، فلسنا نوجب فرضا بغير دليل ولو كان موجبا للوضوء الذي للصلاة، كان ما روي من غير هذا الموضع معارضا له وذلك أنه أتى بكتف مؤربة، والمؤربة هي الموفرة فأكل منها ولم يتوضأ، والمؤربة هي الموفرة غير الناقصة في اللغة، ويدل على ذلك قول بعض الشعراء:

(وكان لعبد القيس عضو مؤرب)، يعني غير ناقص، وروي - صلى الله عليه وسلم - أتى بسويق فشربه ومضمض فاه وصلى، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا وضوء من طعام أحل الله أكله»، والوضوء بفتح الواو اسم الماء الذي يتوضأ به، والوضوء بضم الواو اسم الفعل، وكذلك السحور بضم السين اسم الفعل، وكذلك الوَقود بفتح الواو اسم الحطب، والوقود بضم الواو اسم اللهب.

وقال الله جل ذكره: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم:6)، يريد حطبها والله أعلم.

ومنه قول الشاعر:

فأمسوا وقود النار في مستقرها … وكل كفور في جهنم صار

يريد أمسوا حطبها، وقال آخر:

أحب الموقدين إلى موسى … وجذْباً لو أضاء لها الوقود

بضم الواو يريد أضاء اللهب، والله أعلم.

وأما الوضوء مما مست النار على ما جاءت به الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بالوضوء مما مست النار، وهو عندنا غسل اليد والفم، وكانت الأعراب لا تغسل منه وتقول: فقد الطعام أشد علينا من ريحه، فأفادنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغسل الأيدي مما

٢٬٥١٦ / ٤٬٣٨٩