الجزء التاسع
الجزء ٩ · صفحة ٣٧على الوجوب، فقل: إن غسلهما واجب، قيل له: لو تركنا وظاهر الخبر لكان واجبا، ولكن قامت الدلالة على أن غسلهما غير واجب، وإن السبب لغسلهما ما كان عليه المسلمون في صدر الإسلام قبل نزول فرض الاستنجاء بالسنة فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بغسل أيديهم استطابة لئلا تكون أيديهم وقعت على شيء من النجاسة على شيء في حال نومهم، لأن النائم تنتقل يده في حال نومه على سائر جسده، وحيث تكون النجاسة به.
ويدل على ذلك ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإنه لا يدري أين باتت منه يده»، وأما قوله: ثم يغسل الأذى فهو كما قال، لأن غسل النجاسة واجب قبل غسل طهارة الصلاة لقول الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (المدثر:4)، فأمره بتطهيرها قبل فعل الصلاة، ونحن ندخل معه في كل أمر أمرَ به، أو نهي نهى عنه، إلا ما بينه عليه السلام أنه خص به دوننا.
وأما قوله: ثم يتوضأ وضوء الصلاة فذلك واجب مع الغسل، فإذا فعل ذلك فقد خرج من العبادة وحل له الدخول في الصلاة، وأما قوله: إذا طهر الأذى، فلا بأس أن يمس بدنه ويعرك بيده ويردها إلى ذلك الماء، فهو كما قال: لأن الجنب ليس بنجس، وإنما النجاسة فيه حيث حلت فيه الجنابة من ظاهر جسده، فإذا طهر النجاسة حصل ظاهرا وبقي عليه فرض التطهر بالماء والاغتسال الذي عليه عباده.
لما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لحذيفة وقد اعتذر بجنابته: «المؤمن لا يكون نجساً»، وأما قوله: ثم يعرك بدنه فإني لا أعرف وجه ذلك لأن الناس في الاغتسال على قولين فمنهم من ذهب إلى أنه من صب على نفسه ولم يمر يده على بدنه فقد ثبت له اسم مغتسل، واللغة توجب ذلك، واحتجوا لصاحب القول الأول بقول لبيد شعرا:
وبتنا جميعا ناعمين بلذة
وجاءت سحاب فاغتسلنا بقطرها … تحدثي طوراً وأنشدها الغزل
وما عملت كفي عركا لمغتسل
والقول الآخر قول لأصحابنا ومالك بن أنس وابن عليّة: إن الاغتسال صب الماء وإمرار على البدن، فأما العرك فلا نعرفه إلا في غسل النجاسة القائمة العين وهو مع هذا يقول في كتابه إن وقف في غيث، ولم يعترك أجزاه عرك، وأما قوله: وإن وقع في نهر فبدأ بالغسل قبل الوضوء فلا بأس، ولو فعل ذلك إذا