بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء التاسع

الجزء ٩ · صفحة ٣٨

اغتسل من الإناء، لم أبصر فسادا وترك ما يؤمر به إذا أمكنه، وقوله: لا بأس إذا اغتسل من غير مسح، فإنه يصح لمن لم يرد الصلاة بتلك الطهارة، إلا أن يكون أراد بقول من ذهب من أصحابنا إلى أن الاغتسال من الجنابة طهارة للصلاة كافية تامة، لا يحتاج معها إلى المسح، واحتجوا بقول الله جل اسمه: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ﴾، في نسق الآية.

والذي نختاره نحن ونراه واجباً، ما ذهب إليه أكثر أصحابنا وعليه عملهم أن الجنب إذا قام إلى الصلاة مخاطبا بفرضين، فرض المسح، وفرض الاغتسال، الدليل على ذلك قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ﴾ (المائدة:6)، يعني بذلك والله أعلم: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون قد قيل إنهم خوطبوا بهذه الآية، وقد قاموا من نومهم، فكأنه قال: إذا قمتم من مضاجعكم وأنتم محدثون، فاغسلوا وجوهكم إلى قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ﴾، أي فاغتسلوا، فدل بهذا الخطاب على أنهم إذا قاموا إلى الصلاة وهم محدثون أن يغسلوا ما أمرهم بغسله من الأعضاء، بعد أن يغسلوا ما عليهم من الأنجاس التي فرض عليهم غسلها بما قدمناه ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ﴾ فالأمر بالاغتسال لا يسقط عنهم الأمر بالغسل للأعضاء لأنه أمر بفعلهما جميعا، فالمأمور لا يسقط عنه فرض العبادة مما أمر به إلا أن يفعل ذلك، أو تقوم دلالة بإسقاط أحد الفرضين، فإذا لم تقم دلالة فالفرضان باقيان، وعلى المأمور بفعلهما أن يأتيهما، وبالله التوفيق.

وأما قوله: وأحب إليّ لمن يغتسل من الجنابة، أن يبدأ بعد المضمضة والاستنشاق، بغسل شق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ووجهه وعنقه، ثم يده اليمنى وما يليها، ثم اليسرى وما يليها، ثم ظهره وصدره ورجليه، كذلك يعرك بدنه فإنه قيل: تحت كل شعرة جنابة.

وأما الذي ذكره في ترتيب الاغتسال، فأنا كذلك نقول؛ لأن الخبر ورد عن بعض الصحابة أنهم كانوا يبدأون بميامنهم في الاغتسال، وأما قوله: تحت كل شعرة جنابة، فإن ذلك عندنا على معنى الحكم، لا على أن هنالك محل الجنابة، ولو كانت تحت كل شعرة جنابة لوجب غسل كل موضع من ذلك كغسل الشيء النجس، لأن الجنابة عندنا نجسة، وإنما أراد - صلى الله عليه وسلم - أن يبالغ إلى كل موضع في إيصال

٢٬٥٩٨ / ٤٬٣٨٩