بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء التاسع

الجزء ٩ · صفحة ٥٢

وغسل الثياب كله بمعنى الأمر في لفظ واحد وبمعنى واحد وثبت معنى الاتفاق أنه بأي وجه حصل غسل النجاسة من بدن أو ثوب أو ثبوت طهارتها أن ذلك جائز بغير قصد بالنية إلى طهارتها، وقد خرجت بمعنى الأمر وخروج تطهيره القلوب من الذنوب بالقصد والإرادة والنيات، ولا يكون إلا بذلك وكل ذلك أمر واحد، ومعي أن لو أن جنبا وقع في ماء وهو مجنون أو مغمى عليه ضائع العقل فجرى على بدنه غسل مثله من الماء بالحركة وطهارة فرجه من الأذى كان ذلك غسلا مجزيا له عن غسل الجنابة لأنه قد طهر مما كان معارضها له، وليس ذلك يقع في الوضوء ولا ينعقد له وضوؤه على هذا الحال لأنه لو كان متوضئا لنقض الجنون وذهاب عقله وضوءه بمعنى الاتفاق وليس كذلك الغسل في معنى الاعتبار ولا فيما يخرج في معنى الأحكام عندي وكذلك لو غسله غاسل وهو ذاهب العقل من زوجته أو غيرها كان ذلك غسلا بمعنى الاتفاق، إذا قصد الغاسل له إلى ذلك ولا يبين لي في هذا الموضع لحوق الاختلاف لأن هذا فعل من فاعل بالقصد إليه وليس كذلك الوضوء لو وضأه موضئ وقصد إلى وضوء لما كان الوضوء ينعقد بمعنى الاتفاق عندي، لأنه لو كان متوضئا بطل وضوؤه فكذلك لا ينعقد في موضع ما هو يبطل فيه أن لو كان وضوءا متقدما، فليس الغسل في معنى النيات يقع عندي موقع الوضوء.

ومن الدليل عندي أنه ليس كالوضوء ولا كغيره من الأعمال التي لا تقوم إلا بالنيات أنه لا يفسده شيء من المعارضات، ولا يبطله شيء من نجاسة ولا تقديم ولا تأخير من بعد أن يجب فيما يدان من طهارة البدن ولو كان فيه النجاسة ثبت ما وقعت عليه الطهارة ولو كان مبقيا فيه النجاسة من جنابة أو غيرها ولا يضره تقديم ولا تأخير في الجوارح ولا أن يغسل شيئا بعد شيء في وقت بعد وقت ولو تفاوت في أوقاته كان في وقت صلاة أو في غير وقت صلاة ولا يقطعه شيء ولا ينقضه شيء فليس هو بمنزلة الوضوء عندي في ابتدائه ولا في عمله ولا بعد كماله ولا يخرج معناه ولا يشبهه عندي في شيء من الفرائض ولا اللوازم من السنن إلا ما هو مثله من الغسل من النجاسات وما أشبهها وأشبهه من أمور الغسل كذلك يخرج عندي جميع الغسل من النجاسات ومن الحيض والنفاس وكل غسل لازم ولو كان الغسل لا يقع إلا بالنيات ما وقع وثبتت في الأموات، فالغسل في الأحياء كالغسل في الأموات، ويقع بمحصول الفعل دون النيات ولو كان الغسل لا يقع إلا بالنيات من اللازم فيه من الواجبات لكانت المرأة المجنونة إذا طهرت من الحيض فغسلت واغتسلت وأتى عليها معنى ما

٢٬٦١٢ / ٤٬٣٨٩