الجزء التاسع
الجزء ٩ · صفحة ١٣٥طائفة للجنب أن يدخل المسجد ويقعد فيه، وروينا عن زيد بن أسلم أنه قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجنبون وهم في المسجد ويمرون فيه إذا توضأوا، واحتج من قال هذا القول بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المسلم ليس بنجس»، وروي أنه لقيه حذيفة فأهوى إليه فقال: إني جنب، وجعل من احتج بهذا القول لتأويل قوله ولا جنبا إلا عابري سبيل مسافرين لا يجدون ماء يتيممون ويصلون، واختلفوا في النوم في المسجد فثبت أن ابن عمر أنه قال: كنا ننام في المسجد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال عمرو بن دينار: كنا نبيت في المسجد على عهد ابن الزبير ورخص فيه سعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح والشافعي.
وقد روينا عن ابن عباس أنه قال: لا تتخذوا المساجد مرقدا، وروي عنه إن كنت فيه لصلاة فلا بأس، وكذلك الأوزاعي يكره النوم في المسجد، وكان ابن عبد العزيز ينام فيه إذا غلب، وقال مالك: وأما الغرباء الذين يأتون يريدون الصلاة فإني أراه واسعا لهم وأما الرجل خاطرا فلا أرى ذلك، وقال أحمد بن حنبل: إذا كان رجل في سفر وما أشبهه فلا بأس، وأما من يتخذه مبيتا ومقيلا فلا، وبه قال إسحاق بن راهويه وأباح كل من نحفظ عنه من علماء الناس الوضوء في المسجد، وممن حفظنا ذلك عنه ابن عباس وابن عمر وعطاء وطاووس وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وابن جريح وعبد الرحمن السلماني وهو قوم عوام أهل العلم، وبه نقول إلا أن يتوضأ الرجل في مكان من المسجد مثله ويبدأ الناس بهذا الطهور فإني أكره ذلك إلا أن يفحص الحصى عن البطحاء كما كان يفعل العطاء بن أبي رباح وطاووس، فإذا توضأ رد الحصى على البطحاء فلا أكره ذلك، واختلفوا في منع الرجل زوجته النصرانية من الكنيسة وكان مالك يقول: ليس له ذلك وكان الشافعي يقول: يمنعها، وبهذا القول نقول.
قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في قول أصحابنا أن الجنب والحائض لا يدخلان المسجد ولا المصلى إلا من عذر أو ضرورة إلى ذلك ولا يجدان الماء فإنهما يتيممان ويدخلان المسجد بمعنى الضرورة والحاجة إليه، وقد يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ادخل المسجد في أية حالة كنت إلا جنبا، واقرأ القرآن في أية حالة كنت إلا جنبا»، وقد يستدل على معنى هذا من كتاب الله عز وجل بما يشبه قوله عز وجل: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (البقرة:125)، وهذا يخرج في معنى الاتفاق أنه ممنوع الركوع والسجود إلا بعد الطهارة، وأما النوم في المسجد فمعي أنه إذا خرج