الجزء الثاني عشر
الجزء ١٢ · صفحة ١٤٥أرأيت إن كانا في سفر، ولم يمكن لهما أن يصليا بالطاهر فرادى واحدا بعد واحد من عذر، فأراد أن يصليا جماعة، أيهما أولى بالإمامة؟ قال: معي؛ لا أعلم في ذلك شيئا بعينه، والله أعلم بالإمامة في ذلك، قلت له: ويعجبك أن يصليا فرادى، كل واحد بثوبه، ولا يصليان جماعة؟ قال: إن فعلا ذلك، إذا عدما معرفة ما يلزمهما ويسعهما في ذلك، أو يلزمهما من صلاة الجماعة، قلت له: ولا تجوز عندك الجماعة في هذا الموضع؟ قال: لا يبين لي ثبوت الإمامة لأحدهما على الآخر إلا بعلة تلحقه؛ لأن صاحب الثوب الطاهر، وإن كان ثوبه طاهر جائز له الصلاة فيه من الضرورة في خاصة نفسه، وقد قالوا: لا يؤم المشتمل المرتدي، وهما جميعا موسعين في حالتهما من غير ضرورة في لباسهما، إذا كان لباس هذا أفضل من لباس هذا، وإن كان لباس صاحب الثوب الساتر النجس أفضل وأستر، فلباس صاحب الثوب الطاهر أولى وأفضل؛ لأنه أطهر ولأنه لو كان لهما سبيل إلى الصلاة جميعا لم تجز صلاة صاحب الثوب الذي هو أستر، فلما أن كان لهما لكل واحد منهما في خاصة نفسه عذر متفرد به دون صاحبه، وكانا غير متساويين في العلة، لم يبن لي تقديم أحدهما على الآخر، لما قد فضل كل واحد منهما صاحبه في خاصة نفسه، فيما قد وسعه في حال الضرورة، فإن صلى أحدهما بصاحبه لم يبن لي نقض الصلاة لثبوت الجماعة في الجملة، ولأن هذين كل واحد منهما معذور ومجتزي بلباسه ذلك غير مخاطب بغيره في وقته ذلك.
ويعجبني على حال إن كان ثبوت جماعة أن يكون صاحب الثوب الطاهر يؤم الآخر، كما جاء أن المتطهر بالماء يؤم المتيمم، ولا يؤم المتيمم المتطهر، والمتيمم في الأصل معذور في حال الحكم متطهر مثل التطهر في حكم دين الله، وأما على قول من يقول: إن المتيمم يؤم المتطهر، وثبت التيمم في الثياب عند عدم الماء، وإنه طهارة لها فيثبت عندي على قوله أن تكون الإمامة لصاحب الثوب الساتر؛ لأنه أفضل لباسا، ولأنهما متساويين في الطهارة عند العدم، ولا أحب ترك الجماعة على حال ما وجد إليها سبيل، لأنها قد ثبتت حتى في العراة أنهما يصلون جماعة، وانظر في هذه المسألة واعرضها على آثار المسلمين وقولهم، ولا تأخذ من قولي إلا بما وافق الحق والصواب، وكذلك جميع الأمور.
قلت له: فعلى قول من يثبت الطهارة في الثياب النجسة عند عدم الماء، وإنها