بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٢٤٠

صلى الله عليه وسلم في مثل هذا المعنى أنه قال: «صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة صوت مزمار عند نغمة وصوت مرنة عند مصيبة»، وأما الخبر الذي رواه أهل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عمر أو عبد الله بن عمران أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الميت يعذب ببكاء أهله»، فهذا خبر غير موافق لكتاب الله، ولا توجب صحته العقول، ولم يرد ورود الأخبار التي ينقطع العذر بصحتها، قال الله تبارك وتعالى: (ولاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، وقال جل ذكره: (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِه)، فإن كان الخبر صحيحا فوجه التأويل فيه والله أعلم أنه ما أمر به الميت من الفعل المحرم، فهو يعذب بذلك البكاء المنهي عنه، والفعل الذي لا يجوز، ووجه آخر أن النساء كن يبكين موتاهن بعد مجيء الإسلام، بما كن يبكين به في الجاهلية من المدح لهم بذلك، من الأفعال التي كانوا يأتونها ويشركون بها عندهم. فقيل ن النبي صلى الله عليه وسلم: مضى بامرأة وهي تبكي على ميت، وتقول أنت الذي أغرت على بني فلان وعلى ديارهم وقتلت أبطالهم، وكذا وكذا من الأفعال القبيحة في الإسلام، فقال عليه السلام: «لا تبك بهذا فإن الميت يعذب بهذا البكاء الذي هو عندك مدح» والله أعلم.

مسألة: من الزيادة المضافة؛ ما تقول فيمن يخرج من منزله يستمع النواح في المآتم إلا أن استماعه لغير معنى ما يكون حاله، قال: معي إن كان له نية يخرج من ضياع نيته، فلا إثم عليه ولا تقصير، وإن كان نيته إلى استماع ما ليس هو في الأصل من الكذب ولا من المعاصي، ولو غاب عنه ذلك فلا إثم عليه، قيل له: وكذلك الصياح على الموتى؟ قال: كل شيء استمعه يريد به التقرب إلى أمور الآخرة، ويذكرها مما لا يكون من الماضي أو ينكرها، فلا يقبل، فإن ذلك من أسباب ما يرجى له قيد الثواب ولا إثم عليه، والله أعلم.

٤٬١٦٩ / ٤٬٣٨٩