بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٢٣٩

وأفضل الصبر عند أول المصيبة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصبر عند الصدمة الأولى» يعني والله أعلم، أول المصيبة، وأما أن يكون بكاؤه مستعظما لمصيبته، منكرا لما نزل به كارها لذلك على نية الإنكار، يرى أنه وردها بما استحق الامتحان بمثله، غير راض به ولا مسلم لقاء خالقه، فبكاؤه هذا من أعظم معاصيه، فيستحق به السخط من ربه، لأنه غير متبع لبكائه، ولا مقتد بسنة نبيه).

(فصل)

وقيل: إنه ما من شيء إلا وهو يبكي على المؤمن إذا مات، تبكي عليه دابته وطريقه ومدخله ومخرجه، وتبكي عليه السماء والأرض، وتقول مالي لا أبكي على من كان يضع جبهته على بقاعي، ويكثر ذكر الله في فجاجي فعزة ربي ما في بطني ولا على ظهري أحب إلي منك، ولا إصرابك ولا يسيغن عليك جهدي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما مات امرئ بأرض غربة فغابت عنه بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض، وإنما لا يبكيان على كافر»، ثم قرأ: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ) الآية (الدخان:29)، عن علي وعطاء قالا: بكاء السماء حمرة أطرافها، قال أبو هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فيها نساء يبكين فانتهرهن عمر، فقال النبي عليه السلام: «إن النفس مصابة والعين دامعة، والعهد قريب»، قيل: لما دفنت رقية بكت فاطمة عليها السلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كان باليد واللسان فمن الشيطان وما كان بالقلب والعين فمن الرحمة»، ومن جامع أبي محمد؛ وجائز البكاء على الميت إلا من طريق النوح والقول المحرم، وقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم)، وروى جابر بن عبد الله الأنصاري «أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ابنه وهو يجود بنفسه فوضعه في حجره وبكى»، فقال عبد الرحمن: أظنه ابن عوف يا رسول الله أتبكي وتنهانا عن البكاء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أبكي رحمة له وإنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين خدش الخدود وشق الجيوب ورنة الشيطان»، وفي رواية أخرى عنه

٤٬١٦٨ / ٤٬٣٨٩