بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٤٤

واختلف الناس في الدعاء فقال قوم: الواجب أن يدعو الإنسان، ويكون سؤاله مقيدا في العقد، والضمير بشريطة حكم الله فيه، وما هو أعلم به من حق تدبيره لئلا يقع دعاؤه موقع الاعتراض على ربه، والحكم عليه، لأن العبد هو المربون فلا حكم له على سيده فيما هو أملك به، وأعلم بوجهه منه.

وقال قوم: قد يحسن إظهار ما يضمر من ذلك في أمور، ولا يحسن في أمور أخرى، وذلك كقول القائل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وأغنني ما كان الغنى خيرا لي، وهذا لعمري سائغ في الدعاء والمسألة.

وعندي أنه لو أفرد الدعاء، والمسألة بالحياة والغنى بغير إظهار شرط الخبر، كان جائزا إذا كان عقده وضميره ما يدعو المسلمون.

* مسألة:

وعمن عجز عن دين ربه، فسأل ربه الموت، فهذا لا يجوز أيضا، لأنا عرفنا أن المؤمن لا يجوز له أن يدعو على نفسه بالموت، والدليل على ذلك ما جاءت به الأخبار: «لا يدعو أحدكم بالموت فإن المؤمن لا يزداد إلا خيرا وإيمانا».

وقال قوم: الدعاء والمسألة لا يحتاج معهما إلى ضمير يعتقده، ولا يشترط معها ولا إظهار ذلك أيضا لأن موضع الدعاء هو على ذلك، ولا وجه لاشتراط الدعاء فيه بإظهار اللفظ، ولا بعقده بضمير.

وعندي أنه يجب إذا دعا ربه، وسأله أن يفقره أو يميته أو نحو هذا، فلابد له من إظهار الاشتراط بأن يقول: ما كان الفقر خيرا لي في ديني، وما كان الموت أنفع لي من الحياة، ولا يرسل المسألة في مثل هذا إرسالا، والله أعلم.

٤٦٢ / ٤٬٣٨٩