الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٤٦وقال بعضهم: وما كان الله فهو دعاء، كأنه يذهب إلى أن يسأل الله عز وجل أن يفعله، فهو وإن كان مسألة، فهو دعاء أيضا، وأن مسألة الله عز وجل تخص بهذه الصفة، وتقدر بها، وهذا وجه شائع ألا ترى أنك تقول: دعوت الله بكذا، غير قولك: دعوت فلانا إلى كذا.
وأما مسألة الله للعبد، فهو عندي، والله أعلم، أنها للترفق والاستعطاف، والدلالة على موقع الحض مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾.
ودعاء العبد ربه، فهي مسألة الخاضع المستكين، ومن هذا ونحوه لم يجز أن يدعو داع فيقول: يا رب لا تجور عليّ ولا تظلمني، وإن كان معلوما أن الله لا يفعل شيئا من ذلك، لأن هذا اللفظ وما شاكله يخرج عن حد خطاب التعظيم والهيبة والإجلال.
فمن أجل ذلك لم يجز هذا وشبهه في دعاء الله تعالى، وجاز أن يقال: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا﴾ وإن كان من حكم الله أنه لا يحمل أحدا ما لا طاعة له به إذا كان هذا كلاما يدل على الخضوع والاستكانة، وعلى الانقياد وليس من الأول في شيء.
وكل شيء سأله السائل ربه أن يفعله، فهو عندي على ضربين: أحدهما شيء من حكم الله أن يفعله دعا به الداعي أو لم يدع به، وشيء من حكم الله ألا يفعله إلا بعد دعاء، فأما المعنى الذي من حكمه أن يفعله دعا به الداعي أو لم يدع به، فكالذي حكاه الله عز وجل من دعاء ملائكته وسؤالهم إياه، واستغفارهم للمؤمنين ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾.
وقد علما أن الله تعالى يدخل المؤمنين الجنة، وأنه يغفر للذين تابوا، دعا بذلك داع أو لم يدع.