بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٤٧

وأما الضرب الذي ليس من حكم الله أن يفعله إلا بعد الدعاء، كدعاء الأنبياء للأشياء التي لولا دعاؤهم بها لما اتفق كونها على سبيل ما اتفقت عليه من الكثرة، ومقادير الأوقات لعلم الله عز وجل، بأن ذلك لا يكون موجبا للحجة، ولا واقعا موقع المصلحة إلا بأن يكن بعد ذلك الدعاء.

وقد علمنا أن المسلمين يوجهون دعاءهم إلى الله في النصرة على المشركين، وفي استسقاء الغيث، وفي كشف ما كان من المكان، وفيما يشبه ذلك وجرى مجراه، رغبة إلى الله جل ذكره، وطمعا في أن يكون اجتهادهم سببا لاجتلاب ما سألوا.

فقد دل ذلك على أن الدعاء ما لم يكن الشيء المسؤول فيه، وإن كنا لا نعرف كل شيء من ذلك بعينه مما سواه، ولكنا نعلم في الجملة أن مما ندعو به أن الله يفعله دعونا به أو لم ندع به، ومنه ما نعلم أن الله جل اسمه لا يفعله إلا بأن ندعو به ومنه ما لا ندري من أن الصفقتين هو، فنحن ندعو به، بحسن الدعاء لما في ذلك من الوجهين والله أعلم.

فإن قال قائل: ما وجه الدعاء بما معلوم أن الله يفعله بغير دعاء؟

قيل له: وجه ذلك ما يكتسب به الداعي فضل الطاعة بالدعاء، وما يرجو به من الله الثواب عليه، ومما يستعمل من الانتفاع به في خشوع قلبه، والتأديب لنفسه.

وأيضا فإن الدعاء جرى مجرى التسبيح والتقديس وسائر ضروب الذكر الذي يفعله المسلمون، فكل وجه يحسن فيه تسبيح الله وتقديسه، فهو حسن منه دعاؤه ومسألته، وعلى أن الداعي بما يعلم أن الله يفعله بغير دعاء يتعرض للإجابة إذا كان وقوع ما يقع من ذلك الشيء الذي دعا به، وهو لا محالة فاعله.

قد يقع على وجه الإجابة، وعلى غير وجه الإجابة، لأن إجابة

٤٦٥ / ٤٬٣٨٩