بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٤٩

الله إجابة لبعض خلقه على غير جهة تشريف الداعي، بل يجوز أن يكون على سبيل الاستصلاح له، والاستدعاء بذلك إلى طاعته، فربما كان في ذلك مرجو لبعض خلقه، كنحو الإجابة لدعوة المظلوم، وإن كان ذلك المظلوم مشركا أو فاسقا، كما ورد الخبر بذلك أن دعوة المظلوم والحاج والوالد مستجابة.

وفي رواية أخرى: أن دعوة المظلوم لا يردها راد حتى تقصد إلى السماء، ومثل هذه الأخبار كثيرة ولو كانت الإجابة لا تكون إلا تشريفا وتعظيما للداعي، لم يجز أن يجيب النبي صلى الله عليه وسلم سائلا يسأله شيئان حتى مؤمنا تقيا، فهذا ما لا يذهب فساه على أحد من أهل الصلاح، والله نستهديه لما يحبه ويرضاه.

وأيضا فإن الإجابة قد تكون تشريفا، وقد تكون احتجاجا واستعطافا كنحو ما يتعارفه الناس من أن إنسانا لو سأله الناس عدوا له حاجة فقضاها، وهو غير متصرف بقضائها من عداوته، لم يكن فعله قبيحا، بل نعمد بذلك زيادة في نيله، ودالة على جلالته، وسعة صدره، وإنه بذلك يستعطف عدوه، ويبسطه حتى يكون له وليا، بعد أن كان له عدوا، وبالله التوفيق.

وذهب بعض من يقول بالوعيد إلى أن الله تعالى يجيب كل داع يدعوه على الشريطة التي لا يجوز أن يخرج الدعاء إلا عليها، وزعموا أن الله جل ذكره قد تضمن بقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.

وقالوا: لم يخص بهذا وليا دون عدو، ولا مؤمنا دون كافر.

قالوا: فقد دل على عموم كل داع دعا على السبيل التي أمر الله بالدعاء عليها، لأنه إذا خالف ذلك خرج من جملة المتضمن لهم الإجابة، لأن المتضمن لهم الإجابة هم الذين يفعلون ما أمروا به من الدعاء دون غيرهم.

٤٦٧ / ٤٬٣٨٩