بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٤٨

الدعاء إنما يكون بأن يريد الله جل ثناؤه، وأن يفعل ما يفعل إجابة مسألة الداعي، وفيما سأل ليس بأن يفعل ذلك بعد الدعاء فقط.

ألا ترى أن مسألة -لعله- أن سبيله له ألا يفعله إلا بدعاء، لو قد فعله بغير دعاء الداعي على وجه الإجابة لدعائه، كان غير مجيب له فيما دعا، وإن كان قد فعل ما أراد له الداعي بدعائه أن يفعله.

وكذلك أيضا ما يفعله بغير دعاء، فقد صح أن يفعله على وجه الإجابة بدعاء الداعي، وإذا جاز أن يقال: إن الله تبارك وتعالى يجيب الملائكة في دعائهم للمؤمنين وأهل التوبة بالمغفرة ودخول الجنة.

لأن الله عز وجل يفعل ذلك مريدا به الإنعام على من يغفر له، والإنعام على الملائكة بإجابة دعائهم، ويدل على ذلك لو أن إنسانا عزم على صلة رجل وبره بمال يدفعه إليه، فبدا رجل فسأله ذلك، وهو لا يعلم عزمه ونيته، لجائز أن يقول: إني قد كنت عزمت على هذا وعلمت به لا غفل وأعرض عنه.

وأنا الآن أفعل ذلك ليجتمع لي أمران: أحدهما: قضى حق مسألتك، والآخر قضى حق الرجل الذي سأل فيه لكان بهذا القول محسنا محملا وموجبا على السائل شكرا عند أهل المعرفة والعقول.

فهذا يقوي عندي قول من يقول إن الإجابة بموافقة الإرادة، ولا يشترط في ذلك شيئا من هذه الجملة.

وقد اختلف الناس في إجابة الله تعالى من يدعوه فقال بعض المعتزلة: إن ذلك ثواب للداعي، وإن الكافر والفاسق لا يستجاب لهما دعاؤهما، لأنهما ليسا من أهل الثواب، ولأن إجابة الله عندهم للداعي تشريف له، ودفع من منزلته.

وهذا القول عندي غلط من قائله، لأنه ليس بمستحيل أن يقع من

٤٦٦ / ٤٬٣٨٩