بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٥٢

أداؤه، وكذلك بعد وفاته باتفاق، ودليل آخر أن المريض لو كان عليه دين وحج ولم يخلف لقضائهما أنه يبدأ بالدين فيقضى، ولو كان سبيله سبيل الدين لضرب معه، ودليل آخر قول الله تبارك وتعالى: * (*وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا*) *(1) فالإنسان لا يتحسر على ما يقدر عليه وعلى فعله، وإنما يتحسر على ما لا يقدر على فعله، وكذلك قوله جل اسمه: * (*قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا*) *(2) إنما يطلب الرجعة إلى ما فاته من الواجب وغير الواجب فلا يطلب.

وإنما شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج بالدين، لأن المرأة سألته عن الأداء، فشبه لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بأداء الدين إذا قضته عنه كان قضاؤها عنه كقضائها الدين عنه إذا قضته، ولم تسأله عن الوجوب فيرد الجواب عنه(3). والله أعلم.

(1) الآية 10 وبعض 11 من سورة المنافقون.

(2) بعض الآيتين 99 و100 من سورة المؤمنون.

(3) ذهب أصحابنا -رحمهم الله- إلى التفرقة بين حقوق الله وحقوق العباد فيمن مات ولم يوص بما عليه فأوجبوا قضاء حقوق العباد من تركته، ولو لم يوص بها، ولم يروا وجوب قضاء حقوق الله إلا بالوصية ووافقهم على رأيهم هذا مالك وأبو حنيفة وأصحابهما، وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم التفرقة فأوجبوا قضاء حقوق الله كحقوق العباد أوصى بها الهالك أو لم يوص، وفصل الإمام نور الدين السالمي -رحمه الله- بين حقوق الله المتعلقة بالمال كالزكاة والمتعلقة بالذمة كالكفارات، فرأى أن الأولى سبيلها سبيل حقوق الناس بخلاف الأخرى، والذي تعضده السنة عدم التفرقة بين حقوق الله وحقوق العباد في وجوب قضائها، وإن لم يوص بها الهالك إذا وسعتها تركته، ومن أدلة ذلك حديث عائشة عند الشيخين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وعليه صيام أداه عنه وليه»، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما عند الشيخين أيضا قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: نعم، فدين الله أحق أن يقضى»، فكيف يسقط قضاء دين الله الذي يصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أحق أن يقضى، وأحق كلمة تدل على التفضيل وذلك يعني أنه أجدر بالعناية في القضاء، وقياس النبي صلى الله عليه وسلم دين الله على دين الناس في حديث الخثعمية يؤكد هذا المعنى، وإذا علمت ذلك أدركت رجحان قول سليمان بن عثمان رحمه الله بأن حقوق الله كحقوق العباد تخرج في الوصية من أصل المال، أما ما احتج به ابن بركة من الآيات فلا حجة فيه لرأيه، وإنما غاية ما تدل عليه الآيات حث العبد على المبادرة على الإنفاق مما رزق قبل الانغلاق بالموت والتحسر على ما فات من الفرص، فأين موضع الاستدلال في ذلك؟ على التفرقة بين حقوق الله وحقوق العباد؟ هذا وفي آثار أصحابنا -رحمهم الله- ما يدل على أن بعضهم يرى تقديم دين الله على دين العباد إذا ضاقت عنهما التركة، كما يدل عليه حديث ابن عباس، ومنهم من يرى تقديم دين العباد على دين الله حسب رأي ابن بركة، ومن قال بقوله، ومنهم من قال أنهما يتحاصصان، والحق ما نطق به الصادق المصدق صلى الله عليه وسلم. والله أعلم وبه التوفيق.

٥٢ / ٤٬٣٨٩