بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢١٨

معرفة خلق كما قلت، وهو خلق الله للعقل الذي عقل به ونور العقل الذي اهتدى به العاقل فذلك خلق.

ومعرفة مخلوقة زائل حكمها عن اكتساب المخلوق، لأنها من تدبير الله خالصة، وليس للعاقل بها شيء من تدبيرها، ولا من أحكامها، ولا مسؤول عنها، لأنه متى زال نور العقل الذي عقل به، زال عنه حكم العقل، فهذا هو العقل.

والمعرفة الأولى وهو خلق، فكان حينئذ القلب، وإن كان آلة العقل التي بها عقل مع نور القلب الذي به اهتدى إلى العقل مضطرا إلى نور العقل، لأنه معدم للعقل عند زوال النور الذي به عقل، وزايل آلة العقل الذي بهق عقل، وهو القلب.

فلم يكن للقلب حكم مع زوال العقل، ونور العقل، فإذا عقل كان ذلك العقل مضطرا له، إلى معرفة ما أوجب الله عليه معرفته التي ألزمه إياها بما أوضح له من نور العقل من تدبيره، ومتى زال عقله، زال عنه حكم هذا الاضطرار الذي اضطر إليه، مع كمال عقله، فهذه هي المعرفة الأولى، وتفسيرها.

وأما المعرفة الثانية: فمن جميع ما اكتسب العاقل بعقله فيما عقل به، مما اضطر إليه بلزوم أو باختيار، فكان ذلك عقل مكتسب، فكل مكتسب فهو من فعل المكتسب له، وخلق الله له فلم يستغن العقل الأصل مع كماله من عقل الاكتساب.

لأنه لم يعقل حين كمال العقل إلا باكتساب يعقل الغزيرة عن مستغن عن عقل المادة، وعقل المادة غير مستغن عن عقل الغريزة، لأنه لا نفع لأحدهما بنفسه دون الآخر.

٥٣٦ / ٤٬٣٨٩