بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٤٩

يريدون، والله أعلم، أي لو استكشفتم باطن القلبين وكشف لكم ذلك منهما لرأيتم عيانا.

وأما قول الله عز وجل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ فربما يحتمل وجهين، والله أعلم، أي لم تؤمنوا بالإيمان الذي يتحقق به كمال الإيمان وتمامه، وليس معناه على هذا الوجه نفي الإيمان عنهم، بحيث لا يكون لهم شيء من الإيمان قل أو أكثر.

ويحتمل أنه لم ينف عنهم الإيمان وقد دخلوا به في جملة المؤمنين، فربما كان هذا الوجه أقوى الوجهين أحدهما: أنه قد أثبت لهم الإسلام بقوله: ﴿وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ولا يكون الإسلام بحقيقة إلا ومعه حظ من الإيمان وإلا لكان نفاقا.

وأيضا فقول الله تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ وإن كانوا ليس لهم من الإيمان حظ قل أو كثر، فليس يقبل لهم عمل، لأن المنافق الذي تحقق نفاقه، لا يقبل له نفقة ولا عمل، وقد شهد بذلك الكتاب.

وبهذين الوجهين لا ينتفي عنهم الإيمان بالكلية وهو الأظهر، اللهم إلا أن يكون هؤلاء الأعراب قد علم الله منهم أن قولهم: آمنا، نفاق لا حقيقة له، وهذا إنما يكون لخاص من الأعراب الذين هم منافقون لا إيمان لهم فوجه، والله أعلم بما أراد.

وقد ذكر الله بعض الأعراب بالإيمان، واحتساب نفقاتهم قربات عند الله، وصلوات الرسول، وأثبت لهم القربة بذلك.

وقد روي: لا يزني الذي يزني ساعة يزني وهو مؤمن، ولا يسرق الذي يسرق ساعة يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر الذي يشربها ساعة يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبه ذات شرف يرفع الناس إليه

٥٦٧ / ٤٬٣٨٩