بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٥٣

فروي أن ابن مسعود اعترف له بأنها كانت زلة منه، وكان ذلك الاعتراف من ابن مسعود رضي الله عنه لفضل خشيته، ولو احتج عن قوله لوجد مقالا، ولكن كان من الخشية لله على أعظم رتبة، مع أنه كان يرى لمعاذ ولفضله.

وقد روي عنه رضي الله عنه أنه قال: إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين، فظن السامع أنه قاله غلطا فقال: إن إبراهيم كان أمة، كأنه يذكره بلفظ الآية، فأعاد ابن مسعود أن معاذا كان أمة قانتا كما قال أو لا.

ثم قال: أتدري ما الأمة؟

قال: الذي يعلم الناس بها الخير، يعني وقد كان معاذ كذلك، والقانت المطيع لله، وأراه قال: وقد كنا نشبه معاذا بإبراهيم صلى الله عليه وسلم، والذي نعتبر من هذا عن تجريد القول، والله أعلم، أن المؤمن قد يقال على ظاهر ما يبدو من المؤمن الاعتراف بالدين والإيمان به.

وعلى ذلك وقعت الأحكام في الشرع كقول الله تبارك وتعالى في الكفارة: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ فلم يكف الناس أن يستطلعوا البواطن، ويشقوا عن القلوب، ولو كلفوا ذلك لم يجدوا من يقطع بإيمانه على الغيب من سره، وإنما هو على ما يظهر من الاعتراف بالإيمان والشهادة به.

وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ثم قال: والله أعلم بإيمانكم، فأخبر عن علمه عز وجل بما غيبت القلوب من ذلك، ثم وسع على ظاهر الحكم فقال تعالى: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ فهذا يوضح حقيقة ذلك إيضاحا بينا.

٥٧١ / ٤٬٣٨٩